هليوبوليس.. قصة الأمس واليوم..! - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

هليوبوليس.. قصة الأمس واليوم..!

كثير من العلامات المميزة لهليوبوليس مازالت باقية وباكية في آن واحد.. لا لشئ إلا لأنها تشهد تلاشي الحلم الجميل، وتراجع تلك الواحة الرائعة عن شبابها وعنفوانها رويداً رويداً مع طغيان معالم الحداثة الصماء البغيضة..!

  نشر في 01 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 نونبر 2019 .

بقلم/ محمد أحمد فؤاد

إرتبطت ذكراياتي بهذا الحي منذ نعومة أظافري.. فهناك كانت المدرسة، وكان النادي والأصدقاء.. وكان التسوق والترفيه والسهر، والتسكع والمغامرة والإنتظار.. وكان الخروج من عباءة التقاليد والأعراف.. هناك كانت اللبنات الأولى التي شكلت الوجدان والشخصية، وكان الحب الأول وإحتراق العواطف.. أكاد أزعم أنني كنت على موعد مع الحظ لأرى ما تبقى من تراث حي مصر الجديدة الرائع والأنيق، وعلى العكس صدمتني مؤخراً قاطرة التعاسة لأرى هذا التراث يتلاشى أمام معاول العشوائية بما يتفق مع مفهوم الحداثة غير المفهوم لأقراني ممن إرتبطت طفولتهم بهذا الحي العريق...

أمس..

في 23 مايو 1905 حصل البلجيكي إدوارد أمبان على إمتياز بتملك رقعة من الأرض في الجزء الشمالي الشرقي لمدينة القاهرة المسمى "صحراء القاهرة".. إدوارد أمبان مستثمر ورجل أعمال ولد في العام 1852 بمدينة بليي لأسرة ميسورة الحال، وكان قد تخرج من معهد علوم الفلزات ببروكسل، وعمل مهندساً ورساماً معمارياً، وما لبث أن إنتقل للعمل في التجارة والإستثمار الصناعي وتخصص في مجال النقل والمواصلات.. أخذ الرجل في توسعة مجال إستثماراته، فشارك في أعمال بناء السكك الحديدية الفرنسية ومترو باريس، كما ساهم في تشغيل نظم النقل والمواصلات المعتمدة على الطاقة الكهربائية في نابولي وتورينو ومدريد، ووصلت إستثماراته إلى الصين والهند.

في العام 1894 توجه أمبان للإستثمار في مصر حيث توافرت حينها الظروف لإجتذاب الإستثمارات الأجنية مع إهتمام حكام الأسرة العلوية بالنهضة العمرانية وتطوير الخدمات.. وفي القاهرة وجد أمبان في إنتظاره ثورة عمرانية تتمرد على أنماط المعيشة المعتادة، ووجد أناس يتطلعون إلى التخلص من حيز الحارة الضيقة والحي الواحد والمناطق السكانية القائمة على وحدة المهنة، لذا فكر الرجل في الإتجاه للإستثمار العقاري، وكان من الجرأة بأن إختار أرض الصحراء لتنفيذ مشروعه، على عكس توجهات معظم المستثمرين بمجال المعمار والبناء على مقربة من شاطئ النيل حيث ساعد بناء خزان أسوان على تقليص حدود تأثير الفيضان والإستقرار النسبي في تربة الجزر وضفاف النهر التي كانت تعاني من الغمر السنوي بماء الفيضان مما يصعب من فرص تعميرها.. جاء تفكير أمبان جريئاً ومغايراً لأعراف الإستثمار والمضاربات العقارية حينها، فحين كان سعر المتر المربع في الأحياء الجديدة القريبة من النهر يصل إلى جنيه واحد، إشترى أمبان الفدان بنفس سعر المتر المربع، أي جنيه واحد، لكن على بعد حوالي 15 كيلومتر شمال شرق القاهرة وهو ما كان معروفاً حينها بصحراء القاهرة..!

إتفق إدوارد أمبان وباغوص باشا نوبار على إنشاء شركة القاهرة للسكك الكهربائية وشركة واحات هليوبوليس، وبها قررا إستغلال الإمتياز الذي منحته الحكومة المصرية للأول في العام 1905 لإنشاء خط للسكك الحديدية وخطين للترامواي الكهربائي، وبمقتضى الإمتياز باعت الحكومة المصرية للشركة ونقلت لها الحقوق الخاصة بملكية مساحة 25 كيلو متر مربع ممتده من صحراء العباسية إلى الجنوب الشرقي من الطريق القديم إلى السويس.. وبهذا أنشئت الشركة رسمياً برأس مال قدره 15 مليون فرنك بلجيكي.

أسند الباررون إدوارد أمبان خطة تنفيذ تصوره للمدينة الجديدة للمعماري الشاب إرنست جاسبر بتوصية من المقاول البلجيكي ليون رولان الذي كان يعمل في مصر حينها، وسرد أمبان لجاسبر كل أفكاره بتحقيق مدينة المستقبل المتكاملة، والتي تضم حسب تصوره كل مقومات الحداثة بمعايير العصر حينها من شوارع فسيحة وحدائق شاسعة ومساحات للترفيه والتنزه، ووسائل إنتقال حديثة ومتطورة، هذا بالإضافة إلى طرز معمارية متنوعة تتماشى وروح المجتمع الإسلامية وأعرافه شرقية الهوى بحيث تجذب كبار وصغار الملاك حسب قدراتهم الإقتصادية.

تعاون جاسبر ومهندس أخر فرنسي الأصل هو ألكسندر مارسيل في وضع الرسومات والتصميمات الهندسية بالشكل الذي يحقق أحلام أمبان، ونجحا في هذا بما لهما من خبرات سابقة ودراية بالطرز المتنوعة.. وكان أول وأهم المبان هو فندق هليوبوليس بالاس، ثم الكنيسة البازيليكية والفيلات صغيرة المساحة والأبنية السكنية ذات البواكي والقباب.. وبحلول العام 1908 بدأت ملامح المدينة الجديدة تتضح بعد تخطيط الشوارع الكبرى ومد خط الترامواي الكهربائي، وبدأ السكان الجدد في تسلم الوحدات السكنية بحلول العام 1909 ولم يتجاوز عددهم حينها ألف ساكن.. هذا وقد تطورت المدينة سريعاً مع حرص البارون أمبان على أن تكون لها ملامح من الغرائب تميزها عن باقي أحياء القاهرة، فبالإضافة للحدائق الشاسعة وملاعب الجولف ومضمار سباق الخيل والمطار والنادي الرياضي، قرر الرجل إنشاء أول مدينة ترفيهية في الشرق الأوسط وإفريقيا هي مدينة لونابارك، التي إفتتحت للجمهور في صيف 1911 وحققت معدلات زيارة مذهلة بين سكان القاهرة مع الإفتتاح.. كما كان فندق هليوبوليس بالاس المتميز بطرزه المعمارية المتعددة، والتي تتراوح بين المملوكي واالعثماني والمغربي والأوروبي الحديث من أهم محطات الجذب لكبار الشخصيات من المصريين والأجانب لمستوى خدماته الفاخرة وتفوقه الأرستقراطي من حيث الديكور والأثاث ورحابة الغرف التي وصل عددها إلى 400 وحدة متنوعة جعلت منه أكبر فندق بمصر حينها.. لكن ما لبث المبنى أن فقد رونقه مع إندلاع الحرب العالمية الأولى وتحول إلى مستشفى ومعسكر لضباط جيش الإحتلال البريطاني، وظل مهجوراً حتى تم تأميمه مع ثورة يوليو 1952، وتحول لاحقاً إلى قصر رئاسي حمل إسم قصر الإتحادية حين جعل الرئيس السادات منه مقراً لإتحاد الجمهوريات العربية " مصر – سوريا – ليبيا " في العام 1972..

هذا وتتميز مصر الجديدة بأغرب تصميم لقصر سكني في القاهرة، وهو قصر البارون أمبان نفسه.. جاء المبنى مخالفاً لكل الطرز المعمارية المتعارف عليها حينها، حيث إختار الرجل تصميماً مستوحى من معبد أنكور وات في كمبوديا ومن بعض المعابد الهندية.. صمم رسومات القصر المهندس ألكسندر مارسيل، وأثناء الإفتتاح حاز القصر على إعجاب السلطان حسين كامل ورغب في شرائه من البارون، لكن الأخير رفض وأقترح عليه إنشاء قصر بديل في نفس المنطقة، وهو القصر الكائن حالياً في مواجهة قصر البارون أمبان وهو الأن مقر لمدرسة مصر الجديدة الثانوية للبنات...

اليوم..

كثير من العلامات المميزة لضاحية هليوبوليس مازالت باقية وباكية في آن واحد.. لا لشئ إلا لأنها تشهد تلاشي الحلم الجميل، وتراجع تلك الواحة الرائعة عن شبابها وعنفوانها رويداً رويداً مع طغيان معالم الحداثة الصماء البغيضة، تلك التي إنطلقت كالمعول الجائر لتجرف أغلب ملامح الجمال المعماري غير المتكرر والذي يصعب إستعادته أو تكراره.. حينما تتجول في مصر الجديدة ستجد البنايات ذات الشرفات الفسيحة والعقود والبواكي التي تقي أرصفتها المارة من حرارة الشمس، وستجد مقر شركة هليوبوليس في مكانه الأصلي، وستجد القصر الغامض مقر إقامة البارون إمبان يرتدي حلة جديدة وغريبة قبل أن يتحول قريباً إلى متحف قومي.. لكنك ستفتقد العديد من القصور والفيلات التي تحولت إلى بنايات شاهقة بلا ملامح، وكذلك أماكن الترفيه الراقية والشوارع الفسيحة والحدائق التي كانت ممتدة كشرايين الحياة بين تلك الأبنية العريقة.. وفوق كل هذا ستفتقد الترامواي.. هذا الكائن صديق البيئة ذو الصوت الهادر الذي طالما حمل كل ذكريات الطفولة الجميلة.. لكنه ذهب بلا رجعة..! 


  • 3

  • mohamed A. Fouad
    محمد أحمد فؤاد.. كاتب حر مؤمن بحرية الفكر والمعتقد والتوجه دون أدنى إنتماء حزبي أو سياسي.. مهتم بشأن الإنسان المصري أولاً..!
   نشر في 01 نونبر 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 نونبر 2019 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا