في شوارع إسطنبول .. - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

في شوارع إسطنبول ..

  نشر في 06 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 07 يناير 2020 .


بعد الاقامة لأكثر من شهر في إسطنبول أبت رغبتي المزمنة في الاستكشاف إلا أن تظهر كعادتها ، فقررت أن أرمي بنفسي داخل حافلة متجهة إلى مركز المدينة ، تباطئت سرعتها مكرهة بسبب الزحام الشديد ، فإسطنبول تعد من بين المدن الاكثر كثافة سكانية في العالم بمعدل 15 مليون نسمة. إن المقام في هذه المدينة يعني سماع الكثير من الاراء والتقاء أجناسا عديدة من مختلف أقطاب العالم ، فهناك مصريون يروون قصصاً مذهلة عن الاهرمات و الفراعنة ثم يلقنوك دروساً في التاريخ ، وجزائريون سيناقشون معك موضوع الصحراء بصورة غير التي عهدناها في المنابر الاعلامية ، أما العراقيون فسيحدثونك بحرقة عن حضارتهم التي أطفأ الماضي مداها . وبين هذا داك كنت محظوظاً للخوض معهم في نقاشات عميقة كوني أتشارك نفس الشقة مع بعضهم و أدرس مع البعض الآخر .

بعد مضي ما يقارب الساعتان على نفس الحافلة وصلنا إلى الميدان الرئيسي لأحياء إسطنبول ، بدأت جولتي من ساحة تقسيم أمام النصب التذكاري للإستقلال الذي يؤرخ لأحداث تمثل نقطة تحول في التاريخ ، ما جعله موطن لمختلف الظواهر الانسانية و الثقافية.

و لعل تمثال أتاتورك و جنوده القابع وسط النصب لازال شاهداً على تاريخ طويل و حافل للإستقلال والتحول من إمبراطورية عثمانية إلى تركيا الحالية .

بعدها إنضممت إلى الملايين الثلاثة التي تعبر شارع الاستقلال يومياً ، حيث محطة الترام الاحمر القديم و المزيج الفريد بين الطابع الاوروبي المعاصر والمعمار الاسلامي في البنايات المتراصة جانبه . إكتفيت بأخذ الصور هنا وهناك حتى وصلت كتدرائية سانت أنطونيو أكبر كنائس الكاثوليك في إسطنبول ، لم يسبق لي أن دخلت كنيسة من قبل لذلك اغتنمت الفرصة لأشباع فضولي .أحيطت بهالة من القداسة ، أبوابها الثلاثة التي فتح أوسطها و أكبرها حيث تقدم على مشارفه قس يضع الثالوث على صدره يرحب بالزوار . كانت شبه مضيئة تنيرها الشموع المرصوفة في كل زاوية والتي أضفت حساً من الروحانية والقدسية ، ثم في مقدمتها يقع تمثال السيد المسيح عليه السلام ، تعمدت البقاء طويلا كونها تحتوي على بعض المصلين ، لكنني أدخلت هاتفي في جيبي احتراماً لطقوسهم .

عدت إلى جولتي بعد مدة ليست بالوجيزة ، فاتبعت نفس الشارع مروراً من إمينونوا وصولاً إلى منطقة السلطان أحمد هذا المكان العريق الذي تلتقي فيه الاحياء القديمة مع حفيدتها الجديدة والازقة العتيقة الضيقة التي رممت لتتعايش مع حاضرها الحديث ، كما أنه غني بصروح وهيبة تشكل رمز ذكرى قوية لفترة تاريخية .

تزامن وصولي لها مع قيام صلاة المغرب فدلفت لداخل المسجد الازرق لأداء الصلاة ، هذا الاخير يعد أكبر مسجد في تركيا و الوحيد الذي يحتوي على ستة منارات مرتفعة ، بالرجوع إلى تاريخ بناءه فهو كان قد تأسس في عهد السلطان أحمد ، أراده أن يؤرخ لفترة حكمه و يمحوا به أثر هزيمة جيوش الامبراطورية في الجهات الفارسية . لازالت الثرايا المتدلية من سقفه و الاقراص الزرقاء المكتوب عليها آيات من القرآن والتي تزين المسجد تحمل في ثناياها قصصاً من التاريخ ومن الحضارة العثمانية .

إختتمت جولتي بزيارتي لآية صوفيا المتوارية بالقرب من المسجد الازرق ، تسمى كذلك ببيت الحكمة الالهية فقد احتلت مكانة بارزة طوال العصور بداية من إنشاءها كأكبر كنيسة في العهد البزنطي ثم أصبحت عنواناً لقوة وسيطرة الدولة العثمانية بعد فتحها من طرف السلطان محمد الثاني ليغير دورها الديني ، قبل أن تنتهي بوضعها الحالي كمتحف للكنوز الاسلامية و المسيحية .

أثار انتباهي صور المسيح ومريم عليهما السلام بجنب الآيات القرآنية المعلقة على جدران بناها البزنطيون و زخرفها العثمانيون لتضرب مثالاً على التعايش في تركيا . أما أعمدة هذه المعلمة الهائلة فهي أكبر شاهد على كثير الطبقات التي سقطت ، فإزالة الصليب من أعلى القبة و جلب المحراب لليمين أو إقامة كنيسة على أنقاض مسجد ليست إلاًّ نوعا أنواع العزاء الديني .فالنؤمن بإنسانيتنا التي لا تمل و لا تكَلُّ و لا تتغير بتغير الاديان .


  • 3

   نشر في 06 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 07 يناير 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !


مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا