أشتات من ذكرياتي المدرسية - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

أشتات من ذكرياتي المدرسية

المرحلة الابتدائية

  نشر في 15 يوليوز 2022 .


  هذه سلسلة تدوينات سأحكي فيها عن حياتي المدرسية، وألزمت نفسي أن أكتفي بالقصص التي نشأت داخل أسوارها وكان الأساتذة والتلامذة أبطالها، فلعلها تقع في يد قارئ محزون فتكون له باب مرح وسرور، أو في يد قارئ امتد عمره فوق الأربعين فيجد في مطالعتها لذة وذكرى ممتعة، وهي في ظني غاية شريفة ومطمع نبيل أرجو أن أنالهما.

   بعد أن دعست على رقبة العام السادس ماشيا إلى العام السابع من عمري أيقنت بأني جربتُ جميع السبل لإشعال المرح والمتعة داخل منزلنا، ولن أجد متعة ومرحا أكثر في موطني الصغير، وتأبى أمي إلا أن أكون حبيس العالم الصغير خوفاً عليّ من العالم الكبير، فشكوت الأمر لأبي فمسح على رأسي وتبسم، ثم قال هذه السنة ستدخل المدرسة.

المدرسة! أيوجد بها حلوى وألعاب يا أبي؟

   أجابني مع ضحكة تظهر ويتكلف اخفائها ولم أفهم معناها إلا بعد حين، نعم ستجد كثيرا من الألعاب ومجموعة ضخمة من الحلوى، وستجد أطفالا يلعبون معك طوال الوقت، لن تمل أبدا يا بني.

   دمعت عيني فرحاً بهذه الأخبار، وجهزت نفسي لهذه المدرسة المتعة التي سأدخلها بعد شهرين، وأتى صباح ذلك اليوم المنشود، أنزلني أبي أمام بناء ضخم وودعني بقبلة على رأسي وسلمني لأستاذ يقف عند بوابة الدخول العملاقة، وكان هذا الأستاذ يستقبل الطلبة الجدد ويسوقهم إلى غرفة مجهزة بأسباب البهجة والمرح، فلما دخلتها راعني تزاحم الحلوى والألعاب في هذه الغرفة الفسيحة، حينها أحببت المدرسة جداً، وتمنيت أن أعيش فيها وأهجر المنزل.

   استمر هذا النعيم طوال الأسبوع، وفي هذا الوقت كنت أرى تلاميذا وجوههم مثقلة بالتعب والضجر وحقائب ظهر ثقيلة ويقفون في صفوف متجاورة، يقومون بأفعال متشابهة ثم يمضون بعد ذلك إلى داخل البناء الكبير، فلا أدري لماذا يعاقبون هذا العقاب الشديد!

   في الأسبوع الثاني كان في استقبالنا عدة أساتذة، وبأمر من المدير افترقت هذه الجماعة الكبيرة من الطلبة الجدد إلى فرق صغيرة يقودها الأساتذة، فساق جماعتنا أستاذ يجهل طريق الأماكن فلم يذهب بنا إلى غرفة المرح كما اعتدنا بل انحاز إلى الساحة العظيمة وأمرنا بأن نصطف خلف بعضنا، وكنت أنتظر أن يتنبه إلى خطئه فيتأسف إلينا فيقودنا لغرفة النعيم، ولكن طال الوقوف وعلمت أن ذلك لن يحدث أبدا، فالتفت من حولي فلا أرى غير حلفاء في التعاسة ورفقاء في الشقاء، ووقوفي بين هذا الحشد محا ذلك الخيال الرائع عن المدرسة واسفر عن الحقيقة المحزنة، عندها فاضت دموعي البريئة وكانت السبب في بكاء الصفوف القريبة إليّ بكاءً حاراً، فلو سُجل صوت نشيجنا ذلك اليوم لكانت موسيقى يتأسى بها كل أمرئ ناله حزن عميق.

   وفي الأسبوع الثاني بالتحديد يقاسي الوالدان عناءا عسيرا في كبح تمرد الأبناء لمحاولة ترك هذا السجن، وكان نصيبي من هذا التمرد عدة صفعات تلقيتها بروح ثائرة وغاضبة وتركتني بروح ساكنة وراضية، واقتنعت أن التمرد على هذا النظام أمر محال، ولكن لا بأس بالخضوع بضعة أشهر ثم نتحرر من هذه القيود، لكن هذه الأشهر استمرت سنوات طوال شابت فيها النواصي ووهنت فيها الأجساد.

   بعد مدة قصيرة اعتدت قسوة العيش داخل أسوار هذه المنارة الشامخة، وقررت المدرسة قرارا صائبا بأن تلزم أبرع الأساتذة وأكثرهم صبرا على هذه الأرواح الرقيقة والبريئة التي لا تألف من الحياة غير الألعاب والحلوى وألفاظ قليلة غير لائقة وجعلهم خلال عام يقرؤون الجمل ويكتبون الكلمات ويعرفون من الأرقام ما يؤهلهم إلى البيع في أسواق الخضار، كان أستاذنا البارع ضخم الجثة، غليظ الصوت، وأحيانا يضطر إلى تقوية مواضع الضعف لدى التلميذ في مسك القلم ورسم الحرف فيعمد إلى القبض على يد الصغير فتختفي الذراع كلها تحت كفه الضخم، فيكرر رسم الحرف لتعتاد يد الصغير على ضبط رسمه، ولكن كل ما يدور في ذهن الصغير أن يده اختفت ولن تعود ثانية، لقد عانينا في هذا الصف ألوانا من العذاب، وعانى الأستاذ الفاضل أضعاف ما قاسيناه، فكان يدرسنا أغلب المواد ويتكفل بقيمة كل الجوائز التي توضع للمتفوقين في الصف، ويشتد الكرب على الأستاذ حين يقابل الأباء الغاضبين بشأن عبقرية أبناءهم التي تبددت في صف الأستاذ، فأصبحوا بسبب ذلك متخلفين عن جيش العبقرية والنبوغ، فأما التلاميذ الذين غادرتهم العبقرية كان الأستاذ يرشدهم كل يوم إلى مقاعدهم.

   انتهى هذا العام بنجاح غير ساحق، كان نجاح متواضع، وذلك جعل السيد الوالد يضع في يدي عشرين ريالا جائزة للتعب المبذول في الحصول على هذه الشهادة، كان مبلغا كبيرا أفنيته على المثلجات، فجلتني طريح الفراش أسبوعا كاملا، وبعد هذه الحادثة المؤلمة انقطعت عني هذه الجوائز السنوية.

   توهمت أني أديت واجبي ولن أعود أبدا إلى هذه المنارة الشامخة، ولكن تبددت أوهامي حين أعلن أبي بعد ثلاثة أشهر مليئة بذكريات القرية اللذيذة بأن الوقت حان للعودة إلى الدفاتر والأقلام، ولي أخ دخل المدرسة في هذه السنة، كان يحب المدرسة بعنف، فقد فاقني في كل العلوم وبان به ضعفي في كل مجلس وعند كل قوم، ومن حسناته العظيمة أني تمكنت - ولا فخر - من اللعب بكل الهدايا التي توضع للطلبة المتفوقين، والشكر يعود لعبقرية أخي واجتهاده المشهود.

   انتقلت إلى عهدة أستاذ جديد في صف جديد غير الصف الذي شقيت فيه عاما كاملا، ووجدت أن أصدقائي السابقين قد تشتتوا بين الفصول ولم يبق منهم غير عدد قليل، وكنت ولدا وديعا مسالما لا أتعرض لأحد بسوء أو مشقة، أنفر عن مواقع المتاعب والشقاء وأميل إلى مواطن الأمن والطمأنينة، فيكفيني من الشقاء أني أهدر جزءا كبيرا من يومي في هذا المكان الرائع، فأتى ذلك البدين الشرير وعكر صفو هذا الهدوء، كان لا يدع دفترا أو قلما لي إلا رماه ناحية الأرض، فصبرت على أذاه لعله يمل ويكف عن رمي أقلامي ودفاتري، وذهبت إليه بعد حين لأعقد معه هدنة تستمر إلى الأبد، فلم يرض بذلك وبادر بالهجوم على غفلة فأحكم قبضته على عنقي وأسندني إلى الجدار، فحاولت أن أسدد إليه بعض اللكمات ولكنها لم تصل، وبعد كل الجهد العظيم الذي بذلته لم أستطع إزاحة قبضته الخانقة عن عنقي، فخارت قوتي ثم شعرت بنسمات باردة تلفح وجهي، ولكن أنقذني الطلبة قبل أن أهلك، وبعد أن أستعدت أنفاسي زارني الغضب الشديد، حينها أزحت كل كابح يصدني عن تمزيق هذا البدين.

   لقيت أخي في زمن الفسحة وعزمنا أن نري البدين صنوفا من الصفع والركل ليعلم أن العبث معي أمر خطير، فذهبت بأخي ليرى البدين كي نصنع خطة تجعل التغلب عليه أمرا محتوما، وجدناه قريبا من المقصف، أمهلتُ أخي فسحة من الوقت لينظر إليه كي يَصل المشاهد إلى بعضها، فهو مترامي الأعضاء واسع المساحة، وبعد عشرين دقيقة أكمل أخي مهمته الشاقة، وجمع الأجزاء إلى بعضها فظهرت له الصورة الكاملة، التفت إليّ وقال:

– من الخير أن تتجنب الصدام معه وتغيب عن مواقع نظره.
– أخي العبقري، أليست تدري أن مقعدي بجانب مقعده؟
– إذا يجب على المرء أن يواجه المشاكل التي تخصه بعزائم الرجال؛ سلام.
– أهذا جوابك أيها الجبان.

   ثم قرر بأنه سيمد لي يد العون بعد أن أظهرت له وجها يائسا وحزينا يمزق القلب، وكنت أعلم أن البدين يعود ماشيا إلى منزله، فصنعنا له كمينا وتزودنا بكثير من الأحجار لأن القتال القريب قد يكلفنا كسر بعض الأضلاع والعظام، فانتظرنا حتى رأيناه قادما فألقمناه الأحجار متتالية بلا ترفق وثم أنهيت القتال بصفعة خارقة طبعتها على خده فجعلت جسده يرتج أسبوعا كاملا، وفي الغد دخل معلما غريبا إلى الصف ورفع صوته باسمي يطلب اجابة، فتشاغلت عن النداء بالقلم والقرطاس حتى ييأس فيخرج وأنجو من العقاب، ثم فحص أرجاء الصف يتشوفني فأرشدته نظرات التلاميذ التي تُوزع الالتفات بيني وبينه فرأني قريبا من زاويتها، فناداني فأصررت على التشاغل لأوهمه أنني ذاهلاً عن الناس بهذا القرطاس، فقدم تجاهي حتى وقف بجانبي ولم ينطق بشيء وشدني من أذني إلى خارج الصف، مشيت معه بنفس غير مكترثة حتى اقتربنا من مكتب المدير، فسمعت صوتا قادما من داخل المكتب يشبه صوت أبي، فالتفت إلى الأستاذ وقلت له بنفس منكسرة: أرجوك أعدني إلى الصف لا أريد تفويت الفائدة من الدرس، فلم يتأثر بالذي أبديه من حب العلم والمعرفة وجرني إلى داخل المكتب، فرأيت أبي جالسا مقطبا جبينه، فدارت بي الدنيا واسودَّ الفضاء في عيني وكاد يتوقف قلبي عن النبض، ولكن تماسكت حتى سكنت نوبة الذعر والهلع، وعادت أنفاسي إلى نظامها، وهدأت دقات قلبي، ثم فحصت الغرفة فرأيت البدين جالسا ومعه والده، أجلسني أبي بجانبه وكنت أرغب أن أجلس بجانب المدير، ثم أكد أبي للمدير أن هذه الأفعال السيئة لن تصدر عني مرة آخرى، وعدت مع البدين إلى الصف بعد عناق شديد محا كل المشاكل التي بيننا، وصرنا صديقين نحب بعضنا بشدة، وثم أقول لمن لديه أبناء أو أخوة في هذا العمر ويعانون من سمنة تتخطى المعقول، يجب عليه أن يضاعف جهده لإزالة تلك الدهون طالما هم صغار، لأن معظم الأنشطة المدرسية تعتمد في الغالب على الحركة والنشاط، فالسمنة تقلل الفرصة في اختيار ابنك أو أخيك إلى الانضمام لهذه الأنشطة، فإن تكرر عدم الاختيار قد يؤثر ذلك تأثيرا سلبيا على مزاج الصغير، فيتأثر بذلك تقدمه العلمي وباقي الجوانب الحياتية.

   أمتع أمر يسليني داخل أسوار المدرسة، هي لعبة ممتعة فيها ألوان من التنافس والتشاتم وبعض الأحايين التصافع، وأظنها قد دفنت في ذاكرة أبناء جيلي ولم يعد أحدا يلعبها في هذا الوقت، وهي لعبة البطائق البلاستيكية التي نجدها في أكياس البطاطس المقرمش، وكان على كل بطاقة رقم خاص يحدد موضعها في المجموعة الكاملة أو أن هذا الرقم يحدد قوتها؟! وإن كان لديك همة عالية ستجمعها بلا شك، ولكن هناك طريقة أخرى تستطيع بها أن تجمع البطائق كلها دون الحاجة إلى صرف الأموال لشراء أكياس البطاطس، وهي التوجه إلى ساحة تحدي البطائق، وهي مساحة صغيرة من الساحة الكبيرة تتوارى عن أعين الأساتذة المراقبين، ولا يعرف مكانها إلا المنتسبين إلى هذه اللعبة، ففيها يجتمع كل الهواة والمحترفين من كل الصفوف، فالذي يهم هنا المهارة والبراعة ولا يُكترث أبدا لعدد السنوات التي عشتها على الأرض، وأما قواعد اللعبة تحتاج لبيان غير مطول، عند تحديد اللاعبان المتحديان، يبرز كل واحد منهما البطاقة المختارة للتحدي وكذلك تكون كلتا البطاقتين الجائزة عند الانتصار، وأما البطاقة لها وجهان أحدهما يملك صورة ملونة والوجه الآخر لا يملك غير لون واحد، وأما طريقة اللعب هي أن تضع وجه الصورة الملونة ناحية الأرض ثم يمسك المتحدي البطاقة الآخرى بيده ويرميها ناحيتها، فإن أراد الانتصار يجب أن يقلب كلتا البطاقتين على الصورة الملونة ثلاث مرات متتالية فإن لم ينجح، ينتقل الدور إلى الآخر، ويستمر الانتقال حتى يربح أحدهما، وهناك طلب كبير لشراء هذه البطائق وقد يصل سعر البطاقة إلى خمسة ريالات. 

   وكنت أتاجر في هذا السوق وأقضي كل وقت الفسحة في هذه البقعة، وكثيرا من الأيام أنسى أن ألتهم الطعام الذي تصنعه لي والدتي لشدة إنشغالي، وإن حالفني الحظ وبعت بعض البطائق ذهبت مع أخي وصديقنا بعد الانصراف من المدرسة إلى منزل في زاويته متجر صغير يبيع تموينات غذائية وكل ما نشتريه من هذا المحل المثلجات، وغالب الأيام تبيع فيه امرأة كبيرة وأحيانا فتاة مليحة ونادرا نجد الرجل العجوز، وقد نجد المتجر في أحد الأيام مقفلا فنطرق باب المنزل فإذا خرجت إلينا المرأة الكبيرة تأكدنا بأننا سنحصل على المثلجات، وإن خرج إلينا سواها عدنا إلى المنزل وأيدينا فارغة.

   ثم انتقلت من هذه المدرسة بل من هذه المدينة البديعة إلى مدينة أجدادي التي لن تجد في الكون مدينة تفوقها جمالا وروعة، وفيها أفنيت أعوام الطفولة وسنوات المراهقة، فلم ندع حارة تقدر أقدامنا أن تصلها إلا وطئنا ترابها، ولم ندع شارعا من شوارعها إلا أفرغنا علبة بخاخ كاملة في رسم ألقابنا على جدرانه، وصنع فتيان الحارة فريقا عظيما للكرة، وكان لدى والد صديقنا باصا ينقل عليه المعلمات في الصباح وينقل صديقنا هذا الفريق العظيم كل عصر من ملعب إلى ملعب لندمر المجد الكروي لكل حارة، وكنا مستمرين في تمزيق فرق الحارات حتى عَلِم والد صديقنا بأن باصه ينقل هؤلاء الفتيان الصعاليك، فلم نر صديقنا إلا بعد أسبوعين وقد تغير كثيرا، لقد أبغض الكرة والحديث عنها، وعندما يمر في الطريق باصا تجده ينظر إلى الناحية الآخرى، ومنذ تلك اللحظة تفرق أعضاء هذا الفريق العظيم.

   في صباح السنة الرابعة الابتدائية دخلت منزلا متهالكا وعلمت بأن هذا المنزل هو مدرستي، وقد أُعملت فيه معاول الهدم والبناء فأصبح المنزل مهيأ ليكون منبرا لنشر العلوم وبث المعرفة، وكان صفنا مطبخا في السابق وترى بعض آثار المطبخ بارزة لم تمح، وكانت دائما تشتت الطلبة وتغريهم لفتح باب الخيال وخلق بدائع الأطعمة وروائع الطبخات اللذيذة، وكان هناك أرضا ترابية ملاصقة للمنزل فجعلوها ساحة لإقامة الطابور الصباحي وملعبا لكرة القدم والأنشطة الرياضية، وفي نهاية الساحة تجد غرفة الفنون ومبنى صغير لصفيّ الأول والثاني إبتدائي.

   وفي الطابور الصباحي يؤدي الطلبة التمارين الجسدية مع أستاذ البدنية بغية طرد النعاس عن أعينهم وتنشيط أبدانهم قبل الذهاب إلى عنابر الدرس، ثم يأتي بعد ذلك وقت الإذاعة المدرسية لتغذي أذهان الطلبة بزاد ثقافي بديع، ويجب على كل صف في المدرسة أن يقدم إذاعة صباحية ويجب على كل طالب في المدرسة أن يقف على منبر الإذاعة أمام الجميع ليلفظ المعلومة التي ستقلص دائرة المجهول لدى الطلبة المنصتين وتنقذهم من بحور الجهل، وفي الغالب لا نستفيد من هذه الإذاعة، لأن كل ما نسمعه من مكبرات الصوت أنفاس الطلبة الذين يقدمون الإذاعة، ثم تختم فقرة الإذاعة بالنشيد الوطني الذي يُنشد بصوت واحد من قبل التلاميذ.

   وكنا إلى الصف الثالث نستعمل الأقلام الخشبية في رسم نفائس اللوحات الخالدة، ثم حدث تطورا خطيرا في غرفة الفنون من الصف الرابع إلى نهاية المرحلة المتوسطة، وهو أننا صرنا نستعمل الأقلام المائية في الرسم، لماذا أعلنت أنه تطورا خطيرا؟

   لأن للأقلام المائية أسرار رهيبة وعجائب رائعة وغرائب محيرة، ولو أن الأستاذ لم يشرح لنا أسباب هذه العجائب وغفل عن توضيح هذه الغرائب، لأعتقد كل التلاميذ أن للجن يدا في هذا الأمر، فقد حدثنا الأستاذ عن الألوان الأساسية، وعن الألوان التي تولدتْ عن الألوان الأساسية، وعن كيفية إنشاء هذا الكم الهائل من الألوان التي نجدها متوفرة بكثرة في الأسواق! فعندما يُمزج لونين غير متماثلين يولد المزج لونا جديدا، وثم يمزج اللون الجديد مع أحد اللونين السابقين فيولد لونا مختلفا كليا، وتكرر هذه العملية حتى تحصل على جميع الألوان، أبهرتني هذه الطريقة العبقرية فنقلتها إلى الطعام، فصرت أمزج كل ما في الطبق لأرى هل سيولد هذا المزج طعما مختلفا ولذيذا!

   كلنا نعلم أن لكل أستاذ تلميذا نجيبا يعطف عليه ويقدمه على التلاميذ كلهم، ويرى فيه المستقبل الوهاج والأمل الساطع، وقد كنت قريبا من هذه المكانة العالية عند أستاذ الفنية وكنت المسؤول في غيابه عن غرفة الفنون، ولكنه دائما يذكر لي وللتلاميذ عكس الحقيقة التي أصارتني إلى هذه المكانة المرموقة، والأكذوبة التي نشرها لزعزعة مكانتي العلمية العالية، بأنه وجدني الأسوء بين التلاميذ في الرسم، فأراد أن يستغل وقتي المهدر في الرسم القبيح وينقله إلى حمل اللوحات الفنية العتيقة التي تقذى بمرآها العيون وترتيب المعرض الفني الملل الذي لا يملك قطعة فنية كاملة بلا كسر.

   ومن يدخل هذه المدرسة بلا خريطة تدله إلى وجهته المنشودة، قد يتوه ويضيع فيعاني شيئا من الوحشة والوحدة، فليس أمامه فرجا عند الضياع غير رفع صوته بالصراخ فلعل صراخه الشجي يقود إليه المنقذ، وهناك ممر ضيق ومخيف يؤدي إلى باب من حديد أكله الصدى، وخلف هذا الباب مكانا رائعا وبديعا تعلمت فيه زراعة نبتة الرشاد على القطن، وفيه أحرقت الأوراق الملونة بالعدسة المقعرة، وبورقة الترشيح فصلت الماء عن حفنة من التراب، كان معملا صغيرا لمادة العلوم ولكنه يملك إمكانيات معملا عالميا، وكان معلم مادة العلوم شغوفا ومبدعا في مجال تخصصه ولكن يغلب عليه المزاج العصبي، وعندما تبدر من التلميذ حركة طائشة وغير مدروسة فينتج عنها حادثة تُتلف أداة من أدوات المعمل المهمة، ولأن التلميذ المتعوس يعلم أن لهذا المعمل مكانة مرتفعة في قلب معلمنا، تراه يرجف ويرتعش قبل تلقيه العقاب الأليم، وكنا نرجو أن يعاقبنا بالعصا وأن يستغني عن جلدنا براحة يده القوية التي لا تلين ولا ترحم، ولكي أوضح مبلغ رعبنا من استعمال أدوات المعمل، كان الأستاذ يقيم في كل أسبوع تجربة يستعمل فيها أداة ثمينة وقريبة إلى قلبه، وثم يتيح للتلاميذ فرصة للمشاركة، وهنا تجد الإيثار يبلغ الغاية القصوى عند الطلبة، فلا ترى منهم من يرغب بالتقدم بل يبتسم التلميذ في وجه زميله ويحثه ويرغبه لاغتنام هذه الفرصة الثمينة قبل فواتها، فيطول انتظار الأستاذ فيضطر حانقا إلى انتقاء التلميذ المنحوس بنفسه، ومع ذلك نحبه ونجله وننتظر بشوق موعد حصة العلوم لنلتقي به.

   كنت أبغض مادة القراءة ويغشاني الضجر والسآمة عندما يأتي وقتها، ولو أن النوافذ تخلو من شباك الحماية لقفزت منها راضيا بأن أصاب ببعض الجروح الدامية والكسور الدائمة على أن أبدد دقيقة في هذا الصف الثقيل، فلست ترى فيه على تعاقب الأيام أمرا جديدا، واعتدنا أن يدخل معلم القراءة إلى الصف منقبض النفس جامد الملامح فيقف ناصبا قامته ثم يهتِف برقم الصفحة التي سنقرأها، ويتوعد بالعقاب الشديد لمَن يفقد موضع الكلمة المقروءة في الصفحة ويجب على الطالب أن يسير باصبعه أسفل الكلمة، ومن التلاميذ من يعاني ضعفا في القراءة فيتهجى الكلمات بمشقة حتى يبلغ نهاية العبارة، ثم يأخذ وقتا قصيرا ليلتقط أنفاسه حتى يعود إلى تعذيبنا بقراءته الفصيحة، ويستمر أغلبهم على هذه الحالة المبكية لما بعد حصوله على الشهادة الجامعية، وكذلك كنت أضيق بالأناشيد التي تملؤ الكتاب وهي في جملتها حصيلة غير نفيسة، واتضح لي أن حفظ الأناشيد صعبا وعسيرا، لذلك كان يجب أن أجد حيلة لتجنب سخط الأستاذ وجعلي مثالا للتلميذ البليد، وللحق كان ذلك لا يهمني ولكن ما يرعبني أن يعلم أبي بهذا الأمر، ولهذا وجدت حيلة أهرب بها من إنشاد كامل الأبيات وهي أن أتقن حفظ أول أربعة أبيات وألقيها بسرعة شديدة، وإن أمرني الأستاذ أن أقلل من سرعة الإلقاء، أعيد إلقائها بسرعة أشد حتى ييأس من إفهامي وأظنه يعلم بهذه الحيلة ويتكلف الغباء ليوهمني بأني نجحت في خداعه، بذلك أنال درجة النجاح وراحة من غضب أبي، فأطمئن بأني سأمرح وأسرح في شعاب الحارة.

   ويستهويني صف الخط العربي، وكنت أجد فيه متعة حقيقية، ولهذه المادة كتاب يحوي بين دفتيه كل الأحرف الهجائية مرسومة بتظليل خفيف، ومهمة التلميذ تظليلها بقلم مخصص إلى أن تصبح غامقة، وكلما سوّد التلميذ أحرفا أكثر ارتقت مهارته في الخط أكثر، ولا تعجب إن قلت بأني لم أمسك القلم في هذا الصف إلا مرات قليلة، فقد كان معلم الخط لا يهتم كثيرا في تطوير مهاراتنا في مسك القلم ورسم الحرف، فكان يعلن بداية كل درس مَنْ ينتهي من تظليل صفحتين يأتي إليّ لأمنحه نجمة أو نجمتين، فكنت أطلب من والدتي أن تظلل هذه الصفحات في اليوم السابق حتى تكون هذه الحصة فرصة للأحاديث الشائقة والنكات المستملحة، اليوم وبعد هذه الأعوام الطوال حاولت بكل طاقتي لتحسين هذا الخط القبيح فلم أنجح، واعتدت أن أكون مضرِب المثل عند الأهل والأصدقاء برداءة الخط وغموضه، فلو وقعت دفاتري بيد محقق للمخطوطات لظنها فتحا عظيما في التاريخ الهندي القديم، ولكن الذي أبهجني وزادني فرحا بهذا الخط المعوج القبيح تلك المقولة التي انتشرت بأن العبقرية والعظمة تستند في الغالب على غموض الخط وقبحه، لذلك لم أندم على تفويت الفائدة في ذلك الصف وإن أردت الفائدة من ذلك الأستاذ فلن أجدها.

   تنبهت إلى هذه الملحوظة بعد هذه السنوات، أن بعض من الأساتذة يتساهلون بعض التساهل مع التلميذ البليد فينقله إلى الصف التالي والأجدر أن يرجعه إلى الصف السابق، ورأيت أن بعض مَن أنتقل إلى الصفوف المتقدمة بالتساهل قد أصبح أعجوبة في الفهم والعبقرية، فربما كان الخلل قادما من ناحية الأستاذ الذي لم يوفق إلى الطريقة الصائبة لتوصيل المعرفة، أو أن العبقرية عند أبناء أدم تتفتح ببطء وتتوهج في سِن معلومة.

   تلقيت علم التاريخ عن معلم له طريقة غير مفيدة في التدريس، فعندما يدخل إلى الصف يرى صفين من التلاميذ عن يمينه وعن شماله مادين كتاب التاريخ إليه، وكل منهم يصطنع ابتسامة خلابة ممزوجة بقليل من التعب يرجو بها استمالة قلب المعلم ليلتقط كتابه، ثم يأخذ كتاب الطالب المحظوظ فيعود الطلبة الأشقياء المنحوسين إلى مقاعدهم حزينين يتحسسون أيديهم التي أصابها بعض اليبس من الجهد والعناء الذي يقاسونه في هذا الصف، فيجلس الأستاذ ويمهلنا لحظات يسيرة حتى نقترب إلى مكتبه ليكون صوته مسموعا، ثم ينبهنا إلى الاستعداد لتلقي علم الأمم الفانية الذي سنكتبه حرفا حرفا في هوامش الصفحات في الكتاب، فعلى هذه الصورة كنا نتلقى هذا العلم، فظن كثيرٌ من الطلبة أن علم التاريخ هو الكتابة في هوامش الكتاب.

   في الصف الخامس أضيفت مادة جديدة وغريبة إلى جدول الحصص نجهل أحرفها ونعاني الجهد والنصب مع سوء نطقها ومحدودية مفرداتها إذا قيست إلى اللغة العربية، ولكننا مكرهين على دراستها لأن أهلها البغيضين لهم سطوة على مجالات قليلة منها الفنون والعلوم والآداب والإعلام والسياسة والاقتصاد، وتعلمت هذه اللغة بل قل أني حفظت الأحرف الإنجليزية بذلك اللحن العذب الذي علق بذاكرتي إلى هذه اللحظة، وقد يعجب القارئ حين يعلم بأني صاحب أجمل خط باللغة الإنجليزية كما يذكر الأستاذ، ولكن ذلك لم يدم طويلا لأني شمخت بأنفي ورأيتها موهبة عظيمة لا تحتاج إلى التدرب، ففسدت كتابتي وخسرت هذا اللقب نهاية العام، وتلاشت المكانة الرفيعة التي ارتسمها الأستاذ في ذهنه لمستقبلي الخطير في عالم الخط الإنجليزي.

   دائما تقام في كل سنة دراسية منافسة شرسة بين الطلبة عن أجمل غرفة درس مزينة، وعندما تدخل هذه الصفوف بعد إعدادها للتنافس، ترى حيطانها وسقوفها مغشاة بالأوراق الملونة والبالونات الغريبة وأيضا ترى تلك الزينة الموصولة بين الجدارين والزينة الملصقة في السقف، والمتأمل يلاحظ التشابه الواضح بينها وبين زينة مطاعم البخاري العظيمة، وتكون الجائزة تهنئة ساخنة يتلقاها طلبة الصف الفائز من المدير على منبر الإذاعة الصباحية وهي لو تعلمون غاية الفخر والشرف، ولا يوجد تلميذا صاحب طموح وشغف عاليان إلا تشوق إلى هذه التهنئة.
كنت متفوقا في مادة الرياضيات بشكل يبعث الغرابة، وكنت ذلك الولد العبقري الذي يشار إليه بالإقصاء إذا ذكرت صعوبة الرياضيات، وهي مادة واضحة، لها قواعد ثابتة وذلك جعلها مادة مملة لا تطربني، واعتدت عدم النشاط بالدراسة والمراجعة إلا بقدر ما يتطلبه نجاحي في الامتحان، ولكني استثنيت هذه المادة السهلة وصرت أنال فيها الدرجة الكاملة أو قريبا منها في كل امتحان، وسأحكي في موضعه السبب الذي جعلني أبغض هذه المادة بعد أن اعتزمت على الانتساب لكلية الرياضيات.

   وهناك يوم يقام نهاية كل سنة دراسية، هو اليوم المفتوح، وفيه يُحضر كل تلميذ طبق طعام شهي، فتصف الأطباق على المائدة صفا هندسيا ليتمكن الحاضر إلى بلوغها بلا مشقة، وهي مأدبة ضخمة تتنوع فيها أصناف الطعام الشهية وتكثر فيها الأشربة السائغة، وكنت في المرحلة الإبتدائية لا أفوت هذا اليوم العظيم، وقد حضرت يوما مفتوحا في المرحلة المتوسطة فلم تكن المأدبة شهية ويكتفى من الأشربة بالماء القراح، وهناك طلبة كثر يتغيبون عن هذا اليوم لخلوه من الطعام الشهي والفعاليات المرحة، وبعد ذلك أصبح اليوم المفتوح هو اليوم الوحيد الذي لا أدعي فيه المرض لأقنع أبي أن الغياب خيار سديد لصحتي.

   هنا أختم هذه المرحلة البريئة بهذا القدر من الذكريات التي أعاني بعض المشقة في اجتلابها، وسأذكر شيئا من ذكريات المرحلة المتوسطة في التدوينات القادمة إن شاء الله.


  • 1

   نشر في 15 يوليوز 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا