عندما اتهم عبد الوهاب المسيري تشارلز داروين بتبرير الإجرام . - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

عندما اتهم عبد الوهاب المسيري تشارلز داروين بتبرير الإجرام .

  نشر في 19 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

   

   تميز القرن 20م بالمذابح و الحروب المليونية العامية ، الشيء الذي أعاد النظر في بعض الآيديولوجيات و الثقافات خصوصا الغربية ، لأن الحروب و المجازر و الإستعمار انطلق من دولهم و أنظمتهم السياسية ، فعرف الفكر الأوربي بعد هذه الكوارث واحدة من أكثر المراجعات الجذرية التي قد تقوم بها أمة في ثراتها و معتقداتها الثقافية ، فظهرت و لا تزال تظهر كتب و دراسات تحت عنوان "نقد الحداثة" ، منشورة من طرف دهاقنة و سدنة الفكر الغربي بعد الحرب كعالم الإجتماع الفرنسي "آلان توران" ، أما من الفلاسفة فليس أقل قيمة من نقد الحداثة "فريدريك نيتشه" و "مشيل فوكو" و "فرونسوا ليوطار" و "جاك دريدا" و "ماكس هوركهايمر" و "تيودور أدورنو" و غيرهم ، كان نقد هؤلاء لفكر الأنوار و فلسفة الحداثة أقل ما يقال عنه أنه راديكالي و جذري ، حيث حَمَّلَ هؤلاء مسؤولية الحرب العملية إلى أفكار نظرية ، و التي لم يصغها إلا مفكرين غربيين كلاسيكيين ، فطلع لنا موسوليني و هتلر و ستالين أبناء شرعيين لفولتير و جون لوك و إمانويل كانط حسب فلاسفة "ما بعد الحداثة" . 

  الملاحظ أن هؤلاء المفكرين انتقدوا فلسفات بعينها و لم ينتقدوا علوما ، كفيزياء نيوتن أو كيمياء لافوازييه أو تطورية داروين ، و بالتالي بحثوا عن سبب الخراب في الفكر و السياسة و الإقتصاد و الإجتماع و الثقافة ، و بالتالي تركز النقد على الفلسفة أكثر من العلم (حتى إن وجد نقد طفيف له) . 

  لكن العجيب هو نجد مفكرا عربيا، يعزي أسباب الخراب إلى نظريات علمية تدرس الطبيعة و الأحياء، كنظرية التطور لصاحبها تشارلز داروين الذي صنف كتابه "أصل الأنواع" مؤخرا كأكثر كتاب علمي أثر في الفكر البشري و الحضارة الإنسانية الحديثة و المعاصرة، و المعلوم عند من درس علم الأحياء أو عند أي قارئ بسيط أن البيولوجيا تدرس الأحياء كما هي بمكانيزماتها و قوانينها الطبيعية، دون آيديولوجيا الأحياء كتلك التي ينتجها الإنسان، على هذا الأساس ينظر داروين للإنسان على أنه كائن طبيعي له أصول مشتركة مع غيره من الكائنات الحية الأخرى، و بالتالي فله نفس التركيبة البيولوجيا و يخضع لنفس القوانين الطبيعة التي تخضع لها باقي كائنات مملكة الطبيعة، ينكر الأستاذ "عبد الوهاب المسيري" على علم الأحياء هذه النظرة للإنسان مع قبوله إياها لباقي الكائنات، لأن هذه النظرة حسبه تفصل الإنسان عن "أصوله الربانية" و تربطه بأصله المادي الطبيعي فقط، و بالتالي فهو دون غيره من  الكائنات يجب أن لا يخضع في وعي الباحث العلمي لقوانين الطبيعة في بعدها المادي فقط حسب عَلَّامَتِنَا المصري.

   قد يتساؤل البعض و يندهش من فرط تبسيطية هذا الموقف، فهل عالم الطبيعة الذي يدخل المادة إلى المختبر مَعنِيٌّ بأصول الإنسان غير المادية؟ أليس هذا من غير مشمولاته العلمية؟ يعلم من له علم بإبستيمولوجيا العلوم أنها منفصلة إلى علوم طبيعية (بيولوجيا- فيزياء- كيمياء- ميكانيك...) و علوم انسانية (أنثروبولوجيا-علم اجتماع- علم نفس- الإقتصاد- التاريخ ...) ، فالعلوم الأولى في دراستها للإنسان تدرسه في بعده الطبيعي، أما الثانية فمعنية بدراسته في أبعاده الثقافية و القيمية و التاريخية (أي اللامادية)، هكذا لا يكون من اختصاص عالم الإجتماع أن يبحث عن كيف يحدث الهضم عند الإنسان، كما أن ليس من مشمولات عالم الأحياء البحث في الكيفية التي يقيم بها جمع من الأفراد نظاما سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصادية، فعندما يدرس أولئك ذلك و هؤلاء هذا تتكامل دراستهم للإنسان في بعديه المادي و اللامادي، و لا تتمازج في مناهجها، و بالتالي الإعتراض على منهج علم الأحياء الذي يدرس الإنسان في بعده الطبيعي فقط، لا يمكن أن يوصف إلا بأنه مُخجل لشخص يلقب بـ"مُفكر" ، خصوصا إذا كان هذا الأخير دارسا للأدب و يشاغب على العلوم الطبيعية و هو لم يدرسها أصلا.

   يضيف صاحب الموسوعة عن اليهود في مقال تحت عنوان "نيتشه فيلسوف العلمانية الأكبر" في كتاب جماعي بعنوان "نيتشه و جذور ما بعد الحداثة" ص 171: "أن داروين اعتبر العالم 'غابة' و بالتالي فليس هناك قيم للخير و الشر ، للرحمة أو الرئفة فليس هناك إلا البقاء للأصلح الذي يعني البقاء للأقوى" ، و أول أوجه الإعتراض على هذا التفسير الغريب ما يتصل بتصوره لعلم الأحياء بشكل عام، ثانيا ليس داروين من يقول بأن العالم غابة بل الواقع الطبيعي و الإجتماعي للإنسان تاريخيا يفصح عن ذلك، و لينظر المرء إلى عالم الحيوانات هل يجد فيه قيم للرحمة و الرئفة و الخير ، هل إذا جاع الأسد يقول لغريزة الجوع لديه يجب أن لا أفترس الغزلان لأن هذا ضد الأخلاق و قيم الرحمة ! هذا قانون بيولوجي يخضع له كل من هم في مملكة الطبيعة بما فيهم الإنسان، الإضافة تكمن في أن هذا الأخير حينما شَيَّد الثقافات و المجتمعات و الحضارات بناها على هذا الأصل الطبيعي، فكل الحضارات بنيت فوق أكوام من أشلاء أو ثقافات الكثير من البشر الضعفاء، هذا هو الواقع المر الذي يؤكده التاريخ و لا تفلت من حكمه أي حضارة أو ثقافة.

  ثالثا: في عبارة المسيري هذه يوجد تطابق بين "البقاء للأصلح" و "البقاء للأقوى" ، و المسافة بينهما شاسعة كالمسافة بين الأفلاك، فالأولى قال بها داروين و لكن الثانية قَوَّلُه إياها المسيري عن ظلم أو جهل، إذ يرى داروين أن الكائن الأكثر قدرة على التكيف مع بيئته الطبيعية و ما توفره من شروط الحياة، هو الأقدر على الحياة و الإستمرار و العكس صحيح، و أن الأقوى لا تسعفه قوته لوحدها كي يبقى حياً، إلا أن المسيري يحرف هذا المبدئ كي يتسق مع التهمة الصلعاء التي سوف يتهم بها داروين، ليقول: "النظرة الداروينية للحياة تعبر عن نفسها بالصراع من أجل البقاء الذي لا يتحقق إلا للأصلح أي الأقوى" (نفس المصدر)، في حين أن نظرية التطور تقول عكس هذا تماما ، فليس الأقوى هو من يبقى و إنما الأصلح، و الصلاح لا يتحدد بالقوة، فالديناصور انقرض و هو أقوى مخلوقات الطبيعة، في حين أن النمل و الفراشات استمر بقائها و هي أضعف الكائنات الحية، إذن ليس الأقوى بل الأصلح هو من يستطيع البقاء حسب داروين، لكن لماذا هذا التحريف من طرف المسيري لهذا المبدئ الأساسي التي تقوم عليه نظرية التطور؟

  ذهب مُفكرنا هذا المذهب كي يقول بأن منظور داروين هو: "نموذج يبرر الغزو و الإفتراس بين البشر بإعتباره مجرد تعبير عن قانون طبيعي" ، الشيء الذي قاد الأوربيين إلى احتلال الشعوب الضعيفة و قتل الملايين من البشر الفاقدين للقوة، بذلك يصبح قتل الإنسان للإنسان شيء طبيعي عادي لا يعبر إلا عن قانون بديهي للطبيعة، و به ينفصل الإنسان عن أي قيمة أخلاقية أو قيمية، و بالتالي فإن علم البيولوجيا التطورية حسب قول سيدنا: "إطار يبرر تزايد معدلات الهيمنة الإمبريالية" (نفس المصدر ص171) ، و يضيف في كتابه "العلمانية الجزئية و العلمانية الشاملة" (جزء2، ص63) بأن: "الداروينية انتشرت في النصف الثاني للقرن 19م أي في الفترة التي تصاعدت فيها النزعة الإمبريالية"، فهي إطار يبرر الإجرام من منطلق علمي طبيعي ، يقول المسيري: "وفق المنظور الدارويني لا فرق بين اختطاف فتاة و اغتصابها من طرف شبان، و بين قتل قطيع من الذئاب ظبيا و التهامه" (نفسه، ص66) ، هكذا تكون نظرية التطور حسب علَاَّمَتِنا إطار يبيح القتل و الإغتصاب و الشر باعتبر كل ذلك شيء من الطبيعة و جزء لا يتجزء منها، و هو ما مارسه الأوربيون من خلال الإستعمار و أثناء الحربين العالميتين .

  هكذا تتحول نظرية بيولوجية من حيز العلم إلى حيز الآيديولوجيا، و من تفسير الطبيعة إلى تبرير الإرهاب العسكري، يندهش القارئ من السرعة التي تتحول بها نظرية التطور مع المسيري من نموذج تفسيري علمي لعالم الطبيعة و الحيوان إلى تحميلها وزر ما يعتمل داخل عالم المجتمع و الإنسان من جرائم و مقابح لاأخلاقية، رغم أن العقل السليم يستنتج من نظرية داروين أن هذا الأخير حلل ميكانيزمات البقاء التي من أهم مظاهرها الصراع بين الكائنات الطبيعية، إلا أن هذا لا يعني أن هذا المُحلل البيولوجي "يبيح" مبدئ الصراع و يبرره في عالم الإنسان الإجتماعي و السياسي و الإقتصادي، إن القول بأن داروين باكتشافه لمبدئ الصراع و البقاء للأصلح و بشكل محرف البقاء للأقوى في مملكة الطبيعة هو سبب الحروب التي أقامها البشر تذرعا بهذا المبدئ، يماثل القول بأن مكتشف "الذرة" مجرم كبير لأن اكتشافه هذا سيؤدي إلى صنع القنبلة الذرية و قتل الملايين في هيروشيما و نكازاكي، و أن أول مكتشف أو صانع "للسكين" مجرم لأن اكتشافه هذا سيؤدي إلى قتل آلاف البشر ، هكذا يصبح اتهام نظرية علمية بتبرير الجرائم خصوصا إذا كانت مثل نظرية التطور بهذا التبسيط و التحريف، مسألة مدعات إلى الإستحياء و الخجل مقابل هذا التفسير المفضوح و البعيد عن معاني و تضمينات النظرية.

  أخيرا ، يمكن التصريح بأن القارئ لبعض تفسيرات المفكرين العرب خصوصا الذين ينتسبون إلى التيار الإسلامي أو القريبين منه كـ"عبد الوهاب المسيري" ، ليستغرب من مدى سوء فهمهم بل أحيانا تحريفهم للفكر و العلم الغربي من أجل غايات آيديولوجية لا علاقة لها بالعلم، لذلك يُنصح بالتحقق من أي شيء يكتبه العرب عن الغرب، كما يتحقق العرب مما يكتبه عنهم الغربيون، فالصراع الآيديولوجي بينهم يزيف وعي القراء و الباحثين و يشوه الحقائق .









   نشر في 19 أبريل 2019  وآخر تعديل بتاريخ 30 شتنبر 2022 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا