العقل المجتمعي... بين العقل المنفعل والفاعل - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

العقل المجتمعي... بين العقل المنفعل والفاعل

  نشر في 01 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 01 يناير 2020 .

يرى عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم أن العقل المجتمعي يعتبر أحد المفاهيم الكبرى التي تصوغها المجتمعات الإنسانية عموماً من حيث القانون والأخلاق والضبط الاجتماعي فهناك ولاء ملحوظ للضمير الجمعي إن جاز لنا التعبير، الذي يعني " مجموعة من المعتقدات والعواطف العامة بين أعضاء المجتمع، التي تكون نسقاً خاصاً ومثل هذا الضمير له وجوده الخاص المتميز فهو يدوم عبر الزمن ويعمل على توحيد الأجيال "، والضمير الجمعي يعيش بين الأفراد ولكنه يتميز بالقوة والاستقلال وبخاصة حينما تزداد درجة التشابه بين الأفراد. وتعكس دراسة الضمير الجمعي عند دوركايم نظريته عن القهر الاجتماعي. وترتبط معالجته للظواهر الاجتماعية ارتباطاً وثيقاً بمناقشة الضمير الجمعي، حيث يعد المفهوم من مفاهيم دوركايم الرئيسية حيث عرفه بأنه: " مجموعة من المعتقدات والعواطف المشتركة لدى متوسط أعضاء المجتمع الواحد والتي تشكل نظاماً اجتماعياً محدداً له حياته الخاصة به ".

يعتمد الضمير الجمعي في وجوده على الأحاسيس والعواطف والمعتقدات الموجودة في الضمير الفردي. وبالتالي أوضح أن هناك ارتباطاً ذا تأثير متبادل بين الضمير الجمعي والأفكار الاجتماعية في الواقع الاجتماعي نتيجة الضغوط التي يمارسها الضمير الجمعي على أعضائه.

بذلك يمكننا القول إن العقل المجتمعي ( الجمعي ) يتعلق بكيان له شخصية معنوية. فهو عقل هذا الكيان المميز، الذي تكوّن خلال فترة طويلة بل منذ بداية نشوء ذلك المجتمع منذ أقدم العصور. لذلك نحن نعتبره أهم وأصدق سجل لتاريخ ذلك المجتمع.

مثال ذلك: يحتفظ المجتمع العربي في طياته بجميع الأحداث والملابسات التي مرّت به من موجبات ومسلّمات، بما فيها من عادات وتقاليد وأعراف وقيم، فما هي بحقيقة الأمر إلا محصلة لأحداث سابقة مرّت عليه خلال فترة ممتدة من الزمن، ربما أهملها التاريخ المسجل. بل غالباً ما تكون مهملة لأنها لا تتعلق بحدث أو مناسبة مهمة، أو بشخصية اعتبارية في المجتمع. بل تتعلق بحياة الناس العاديين أو المجتمع بوجه عام.

فظاهرة تعيين الشخص غير المناسب في المكان المناسب، بسبب انتمائه الفئوي أو الطائفي أو المذهبي أو الاثني. وهذا ما يحصل في البلدان العربية والإسلامية عموماً، مما يؤدي إلى اضطراب شؤون الدولة والمجتمع وإعادة إنتاج التخلف بأبشع صوره. هذه الظاهرة المنتشرة في تلك المجتمعات إلى وقتنا الحالي، ما هي إلا انعكاس مباشر لمفرزات وجذور العصبية والقبلية التي كانت صفة محمودة بل ضرورية ومتبعة في العصر الجاهلي، ثم جاء الإسلام الذي يعتبر ثورة على العقل المجتمعي الجاهلي فحرمها. ويقول الله تعالى في محكم كتابه العزيز (إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَىٰ وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا ۚ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ) سورة الفتح الآية (26)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ) لَيْسَ مِنَّا مَنْ دَعَا إِلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ قَاتَلَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ وَلَيْسَ مِنَّا مَنْ مَاتَ عَلَى عَصَبِيَّةٍ ). وفي خطبة الوداع قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيها الناس إن الله تعالى اذهب عنكم نخوة الجاهلة وفخرها بالآباء. كلكم لآدم وآدم من تراب. ليس لعربي فضل على أعجمي إلا بالتقوى ".

ومع ذلك نجد أن العصبية القبلية ظلّت تنخر في أساس الحضارة العربية والإسلامية حتى يومنا هذا كما أوضحنا في المثال السابق. أي أنها كانت أقوى من التعاليم الدينية، لأنها أصبحت قيمة ثابتة في العقل المجتمعي.

أما العقل المنفعل فهو عقل الإنسان الفرد المتأثر بالعقل المجتمعي ( الضمير الجمعي )، بل الخاضع له. وهو بذلك عقل يسري على الأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع، وبالنسبة للمثال السابق عن العقل المجتمعي، فإننا نجد أن معظم المتحاربين والمتصارعين اليوم بسبب العصبية يحملون عقلاً منفعلاً خاضعاً للعقل المجتمعي المثقل بأحداث السياق الاجتماعي وتفاعلاته وتناقضاته، التي تعود بجذورها الأولية إلى العصر الجاهلي مع العلم أن هؤلاء الأفراد المتحاربين لا يعرفون ذلك على الأرجح.

خلاصة القول إن العقل المجتمعي هو عقل المجتمع باعتباره كياناً مستقلاً له شخصيته المعنوية ( اعتبارية ) متميزة، بينما نجد أن العقل المنفعل هو عقل الفرد العادي الذي يعيش في ذلك المجتمع والخاضع لذلك العقل المجتمعي. فالعقل المجتمعي هو بمثابة السيد، بينما العقل المنفعل هو العبد الذي يخضع لأوامر ونواهي السيد.

بناءً على ما تقدم نعتقد أن هذا التفسير يفضي بنا إلى ضرورة وجود العقل الفاعل الذي يمثل عقل النخبة القليلة من أفراد المجتمع، أو بالأحرى عقل بعض الأفراد المتميزين الذي اكتشفوا من خلال عقلهم الفاعل سطوة العقل المجتمعي الغاشم على العقل المنفعل لأغلبية أفراد المجتمع، فسعوا إلى نقد وفضح هذا التسلط من جهة، ورفض الخنوع والاستسلام من جانب الأغلبية الساحقة من جهة أخرى. هذه العملية ( الحركة النقدية) هي التي يعتمد عليها المجتمع في تقدمه وتطوره، حيث تمثل عقول هذه النخبة رواد النهضة في مجتمع من المجتمعات، لذلك تقدمت شعوب وتخلفت أخرى.

فالمجتمعات المتقدمة تقدمت بسبب نجاح مجموعة من الأفراد الذين يمتلكون عقلاً فاعلاً في مقارعة السود الأعظم من أصحاب العقل المنفعل، مثال ذلك صراع رواد عصر التنوير في أوروبا مع المجتمع التقليدي منهم: كوبرنيكوس، جاليليو، مارتن لوثر، وغيرهم... هذا الصراع أدى بطبيعة الحال إلى انتصار مفرزات العقل الفاعل وما أسفر عنه من نتائج ملموسة مثل ( الحداثة، الثورة الصناعية، والرقيمة، والمعلوماتية التي تزداد تفجراً كل يوم ).            

ونحن في مجتمعاتنا بحاجة ملحّة إلى عقول فاعلة تُكمل ما بدء به رواد النهضة العربية والإسلامية أمثال : الكواكبي والطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده... وغيرهم لتصحيح مسار الواقع الاجتماعي والثقافي والسياسي للخروج من حالة الركود والتخلف التي نحيا بها.           


  • 1

  • د. حسام الدين فياض
    الدكتور حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية السوسيولوجية المعاصرة ( النظرية النقدية المعاصرة ) دكتوراه دولة من جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية، باحث في العلوم الثقافية واللغويات واللسانيات الاجتماعية ( عل ...
   نشر في 01 يناير 2020  وآخر تعديل بتاريخ 01 يناير 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا