قصر بارون لا أعرفه و لا يعرفني - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

قصر بارون لا أعرفه و لا يعرفني

  نشر في 02 نونبر 2019 .

ينتشر على مواقع التواصل الاجتماعية صورة لسقالة تجاور قصر البارون إدوارد إمبان بمنطقة القاهرة الجديدة ،والذي قد شرعت الدولة منذ فترة في عملية ترميمه و تحسين حالته المَرْثِيّ لها، و لكن بالرغم من صياح الناس حول تلك القضية لاحظتُ أنني حقيقةً غير مُهتم إذ رممت الدولة ذلك القصر أو لم ترممه أو حتى احترق عن بكرة أبيه و في أثناء ذلك ظللتُ أبحث هل وحدي من يداهمه هذا الشعور؟

وجدتُ قطيعاً عريضاً من الناس معي لا يهتمون، حيثُ أول من صادف وجهي حينما علمتُ خبر القصر كان عامل البنزينة، أثناء انتظار رد البنك في عملية سحب حساب البنزين عبر البطاقة الائتمانية، حينها سألته بصيغة استنكارية: " إيه اللي بيهببوه ده في قصر البارون " ، لم يكن عامل البنزينة مبالياً حتى.

على ما يبدو أنني لستُ وحدي، و لذلك كان عليّ البحث عن أسباب لا تجعلنا نثور على قصر البارون إدوارد إمبان و لكن نثور على طريق الكباش أو القناطر الخيرية ، و الحقيقة هناك ألف سبب و لكنني اكتفيتُ بأربع أو خمس منها هم محتوى هذا المقال.

النقطة الأولى يا عزيزي القارئ هي أنه قصر البارون إدوارد إمبان، و ليس مثلاً بيت الزعيم سعد زغلول أو حتى بيت موسى بن ميمون ، والذان يعتبران أثران عريقان و مهمان للغاية و مهملان من قبل الدولة، أولهما لرجل أفنى عمره لاستقلال هذا الوطن و رفعة شأنه و تحريره، و أخرهم هو عالم يهودي جليل عاش في مصر و كان طبيباً لقائد عربي عظيم و هو صلاح الدين الأيوبي و قد أسس في بيته عيادة و معبد يهودي صغير و مدرسة تتلمذ بها العديد من أهل مصر.

إنه قصر رجل أعمال عادي لم يكن له دور في حياتنا جميعاً و لم نرث له ذكرى شعبية واحدة! ، بل هناك ذكرى يتيمة يا سيدي و هي أنه حينما أخذت الدولة القصر من ورثته و الذين تمثلوا في جان إمبان قد أخذوا هذا القصر بمساحات وأَراضٍ بالقاهرة الجديدة - التجمعات السكانية - مقابل قصر لم يعن لصاحبه شخصياً أهمية قدر الأراضي .

النقطة الثانية عزيزي القارئ هي

أنه بالرغم من قيمته الفنية و التقنية و التي أدركها -بصفتي مهندس و قارئ بالفن - و لكن حقيقةً لا أدري لماذا قد يبالي مائة مليون إنسان ببرج يستطيع الدوران و لكنه معطل منذ قرن و أكثر من قرن، و منحوتات تعبر عن ثقافة أوروبا في بلد أفريقي كان مستعمرة أوروبا في زمن بناء هذا القصر، بالأخص بعد نزول ثلث هذا الشعب تحت خط الفقر الوهمي ، قد بات ثلث الشعب المصري يتقاضى -وفقاً للتقارير- دخل شهري أقل من ثمانية آلاف جنيها شهرياً ، و هذا اعتباراً أن ثلثي الشعب المتبقي يتقاضون أكثر من ثمانية آلاف جنيها!

ما العائد الاقتصادي الذي قد يأتي من بيت لا يسكنه أحد ؟ إن وزارة الآثار المصرية حتى لم تصرح به كمزار سياحي يتم دفع رسوم لدخوله مثلاً كما خططت الدولة في عصر حُسني مبارك حينما حاولوا شراءه من وريثه الوحيد! ، واقعياً نحن شعب لا يقدر الفن لأنه جائع يعاني هبوطا حادا في دورته الدموية بسبب أنه لا يأكل شيئاً تقريباً و يعاني من سوء تغذية نظراً لارتفاع الأسعار ونظراً لانهيار العملة ونظراً للتضخم ونظراً لكل ذلك بات صديقنا عاطلاً لا يتحصل بالعملة المنهارة محدود دخل يعيش على راتب أقل من ثمانية آلاف جنيها يلقيه تحت خط الفقر - المصري - الوهمي.

النقطة الثالثة يا عزيزي و هي تتعلق بمسألة أزمة الثقة التي نشأت بين المواطن و الحكومة المصرية منذ النكسة، و ما أعنيه من ذلك قد يشرحه التاريخ أفضل من إطالة شرحي له ، لقد استطاع الملك فاروق الذي ثار عليه الشعب المصري - وفقاً لتاريخ قيادات يوليو في مقررات وزارة التربية قبل التعليم - بإقامة أكثر من عشرين مؤسسة و مشروع، و قد قام بعمل سياسة داخلية و خارجية لم تستطع مصر حتى اليوم إقامة مثلها، و لكن يبقى سبب الثورة الوحيد هو حرب ٤٨و لكن في سنة ٥٢ لقد نشأت في هذه الغوغائية في الحُكم ، الحكومة ستنفي خبراً لم يذكره أحد مثل غلاء البنزين او انقراض السكر من السوق ، و غداً سأجده خبراً حقيقياً صدفةً ! ، و تدور دائرة الحوار عن الطرف الثالث اللعين، انا لا أعتقد أن الحكومة قد تكون صادقة في شيء حتى درجات الحرارة أو مواعيد الصلاة و أكثر من يصومون في رمضان يستعجبون كيف يفطرون مع دول بينهم و بينها ساعة كاملة ، و لكن يطيعون الأذان ملقيين إثمهم على عنق الدولة، و لذلك أتسائل إن كان يعتقد أحد مواطني مصر أن الدولة تقوم بتنظيف و إعداد و ترميم هذا القصر لغيرتها على المعمار و الثقافة مثلاً ؟ لا و الله إنها لم تكن ثقافتنا ولا بيت يمس أحدنا و لا يؤثر في ماضينا شيئاً و لكن القصة المُصدقة بيننا أن هذا القصر يتم ترميمه فقط لكي يقوم ممثلي الدولة بنهب ما يستطيعون و ما تصل إليه أيديهم، و قد يفسر لك ذلك لون القصر الجديد الذي انتشر في الصور.

النقطة الأخيرة هل مصر دولة تحترم تراثها ؟ لندن في العطلات الرسمية تقوم بإدخال أي مواطن إنجليزي أو مقيم متاحفها مجاناً حفاظاً على تراثها، فرنسا لديها في كل بلدة متحفين على الأقل، و لكن هل تحترم مصر تراثها ؟ هل تم حفظ تراث الذين عاشوا هنا حقاً؟ أين الآثار اليهودية في مصر اليوم، الآثار المارونية المغلقة ، و الكنائس الأرمنية و البروتستانتية ، يكفي أن نصف الشعب المصري لا يدري ان المغارة التي أحتمى بها المسيح من الرومان في طفولته تقع على خط المترو المصري و بجوار مسجد عمرو بن العاص.

منذ مدة قامت السيدة ماجدة هارون سيدة يهودية مصرية ابنة لنضالي يساري يهودي مصري و هو المناضل شحاتة هارون أكثر من ناضل ضد الحركة الصهيونية، و التي ترأس الطائفة اليهودية في مصر و التي تتشكل من 20 شخص ليس لديهم حاخام و أكثرهم كبار السن متزوجين من غير اليهود و لديهم أبناء من الديانة المسيحية أو الإسلام، قد طالبت في عديد من البرامج بتولي الدولة أمر الأثر اليهودي حتى لا تطالب به إسرائيل ! ، و لكن هل استجابت الدولة ؟ هل نحن من النوع الذي قد يستجيب لحفظ أثره من الدول ؟ أذكرك بقصة بسيطة للغاية ، هناك - و كل من زار فرنسا يعلم هذا - تمثال لشامبليون يضع قدمه فوق رأس فرعونية المظهر، في احتفالية لمرور مائة سنة من الحملة الفرنسية احتفلت السفارة المصرية بباريس بتلك الذكرى بدون سبب واضح أو منطقي، و كان من أحد مظاهر التواصل الفرنسي المصري في هذا العصر هذا التمثال، الذي تم رفع دَعاوٍ قضائية عديدة ضدها أغلبها من يهود مصر المهاجرين إلى فرنسا لرفضهم لدولة إسرائيل.

هل نحنُ دولة تحافظ على الأثر الخاص بها؟ لذلك يا عزيزي و في قليل من النقاط البسيطة أوضح لماذا لم أكن مهتماً بقضية قصر البارون إدوارد إمبان، حقيقةً يشرفني أن مثل هذا البناء في بلدي و أود حقيقةً ان يكون هناك رعاية له و حفظاً لقطعة فنية قام زميل جليل و مهندس سابق بإعداده كتحفة هندسية وتحدٍّ حقيقي في ذلك العصر، و لكني حقيقةً أتسائل ما قيمة أن تقوم بترميم مبني لا يستخدمه أحد ! ، في مثل هذا العصر و مثل هذا الاقتصاد بالأخص ، هذا المقال لا يدعو لإهمال الفن و التراث، بل حقيقةً يدعو للمصداقية. 


  • 4

  • ب.ي.حجازي
    مواطن مصري مُسلم سُني ليبرالي النهج السياسي وُلدت عام 99 ، و اسمي الحقيقي بهاء يوسف حجازي .
   نشر في 02 نونبر 2019 .

التعليقات

إيمان منذ 12 ساعة
اهلا بك في مصر....
ليس فقط التساؤل عن ترميم قصر لا استفادة منه. ولكن التساؤل عن بناء قصور لن يسكنها أحد... لأن ثلاث ارباع الشعب تحت خط الفقر بخطوووط...
مقال جميل..
1
ب.ي.حجازي
شكراً ليكي :D

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم













عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا