عهد الله - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

عهد الله

  نشر في 14 ديسمبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2020 .

أخذته الدنيا، وألهته كثيرًا، وطوقت رقبته بأيديها، وأخذت ترفعه وتخفضه وتغدو به وتروح.

هذا الرجل الأمي الذي جاء من أقصى قرى الصعيد إلى العاصمة فاحتضنته وأبهرته بألوانها الزاهية، وأعجبته الحياة فيها دون قيود وبما يتفق مع طباعه السيئة وأهوائه غير المشروعة، فانطلق فيها كالثور الهائج تاركًا مبادئ أسرته وأجداده وقريته خلف ظهره ناسيًا كل العادات الطيبة التي تربى عليها، متجاهلًا وعوده لأبويه عندما غادرهم بأن يظل كما هو بمبادئه وأخلاقه وعاداته التي تنم عن مكارم الأخلاق، فانبهر بها وتاه وسط زحامها، وأخذ منها أسوأ ما فيها وخالف أوامر الله واتبع هواه فأخذ يبحث عن إشباع رغباته بطريقة أو بأحرى لا يعنيه حلالًا أم حرامًا، فلا يرده ضمير ولا يزجره عقاب ولا توقفه مراقبة الله وخشيته، فتمادى في المعاصي وكأنه يسابق الشياطين في أعمالهم، فلم يترك موبقه من الموبقات إلا وفعلها، ليس هذا فحسب بل أخذ يتباهى بالمعاصي أمام الجميع فيحكيها لأصحابه ومعارفه في فخر وزهو واعتزاز حتى عُرفَ بها، ومرت الأيام وظل يعلو ويعلو وينتقل من معصية لأخرى ومن فجور إلى فجور حتى جاء اليوم الموعود وتحقق فيه قوله تعالى "فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذاهم مبلسون"(الأنعام، الآية: 44)، فقد سقط هذا الرجل بيد حاكم ظالم ألقاه بالسجن فخرّ واقعًا وسقط من عليائه، وتجرع مرارة الذل والهوان بعد العز والجاه، وعاش حياة القحط والجدب

وحينئذ أدرك أن كل ما حدث له إنما هو عقاب إلاهي مؤجل، عقاب تأخر كثيرًا ولكنه أتى الآن ولم يكن في الحسبان، عقاب غفل عنه كثيرًا ولم يغفل عنه الله، فتذكر ما فعل وبكى لغفلته طيلة هذه السنوات ولتقصيره في حق الله وتجاوز حدوده وحق عباده وحق نفسه التي أرهقها بالمعاصي فغلبته وأرهقته وهوت به إلى القاع، وعندما أيقظ الندم ضميره بعد سبات عميق أناب إلى الله وعاد إليه واستغفره وعاهده على التوبة والأوبة والرجوع، وسأل الله أن يخرجه من السجن حتى يصلح كل ما أفسده في حق نفسه وأن يسابق الزمن في عبادة الله ليعوض كل ما فاته من تقصير وتجاوز، عاهد الله أن يبتعد عن كل ما يغضبه وأن لا يفوته موسم الحج كل عام مادام حيًا وأن يعتمر وأن يخرج زكاة المال التي ظلت حبيسة عنده لسنوات طويلة وأن يسارع في الخيرات لعلها تجبُّ ما قبلها وتمحوه.

وظل يعاهد الله على كل ما يرضيه ، وتفرغ في سجنه لعبادة الله وذكره والإلحاح عليه بالدعاء وقراءة القرآن بل وحفظه ، والحرص على السنن والنوافل ، وظل هكذا إلى أن يسّر الله له وأخرجه من السجن ، وكانت النتيجة المخزية أن خلف عهده مع الله بمجرد خروجه من السجن ، فقد خرج متكالبًا على الدنيا أكثر مما كان عليه من قبل ، يركض خلفها بلا تعقل باحثًا عن أعمال وأموال ، وكأنه خميص البطن ينتظر ما يسد رمقه ، واستبدل العمرة التي عاهد الله على أن تكون أول خطواته بعد خروجه من السجن بحفلة كبيرة أنفق فيها الآلاف على المنكرات ، ونسى عهد الله أو تجاهله ، وكأن شيئا لم يكن .. قال تعالى : " وكان عهد الله مسؤولا " ( الأحزاب آية :15 )

فلم ينتبه إلى عقاب من يخالف عهد الله وينقضه ويستهين به ، ولم يقرأ قوله تعالى :" ومنهم من عاهد الله لإن أتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما أتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقًا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه وبما كانوا يكذبون " ( التوبة ، آية :75 ، 76 )

فنقض العهد ما بين البشر وبعضهم البعض من سمات المنافقين الخالصين الذين وعدهم الله بأنهم في الدرك الأسفل من النار ، فما بالك بمن يخلف عهده مع الله ؟!!!

فقد بدأ المرض يدب في جسد هذا الرجل شيئًا فشيئًا وهو يتجاهل ويكابر ويحاول إسكات ضميره إلى أن اشتد به المرض وتغلب عليه ، وأقعده عن العمل وأوقفه عن أداء مهامه وتوقفت به الحياة ، وحينها أدرك أن كل ما جمعه من مال لا قيمة له أمام العافية ، وأن كل ما حرص على إقتنائه من ممتلكات وأبراج وغيرها لا يساوى شيئًا أمام راحة البال والرضا والسعادة والقناعة ، وأن كل ما حققه من رغبات وأهواء وعلاقات بمعصية الله لم تجلب له إلا الحسرة والندامة والمرض

( فكل ما يتحقق بغضب الله لابد أن ينتهى بعقابه )

وقتها أدرك كل شيء ولكن في غير حينه

قال تعالى في حديث قدسى : ( يا ابن آدم خلقتك للعبادة فلا تلعب ، وقسمت لك رزقك فلا تتعب ، فإن رضيت بما قسمته لك أرحت قلبك وبدنك وكنت عندى محمودًا ، وإن لم ترض بما قسمته لك فوعزتى وجلالى لأسلطن عليك الدنيا تركض فيها ركض الوحوش في البرية ثم لا يكون لك فيها إلا ما قسمته لك وكنت عندى مذمومًا )

فهل يعيد الندم ما فات ؟! وهل سينفع الإنسان كل ما جمعه وهو في غفلة عن الله ؟! فقد مات الرجل وترك خلفه الملايين والأملاك والأراضى والأبراج ، وذهبت هذه الأملاك إلى أصحابها ، وذهب هو إلى ربه بمفرده ليبدأ الحساب والعقاب الذى نساه زمنًا طويلًا

وصدق من قال : ( امتلك من الدنيا ما شئت ، فسترحل منها كما جئت )

                                                                                                               فادية صقر



   نشر في 14 ديسمبر 2020  وآخر تعديل بتاريخ 14 ديسمبر 2020 .

التعليقات


لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا