إشارة حمراء .. "قصة قصيرة" - مقال كلاود
 إدعم المنصة
makalcloud
تسجيل الدخول

إشارة حمراء .. "قصة قصيرة"

  نشر في 01 نونبر 2017 .

أجلس إلى يمينه كما أفعل في كل يوم نذهب فيه بسيارتنا لنأخذ أطفالنا من المدرسة بعد انتهاء يوم دراسي طويل، الطقس حار اليوم والشمس ساطعة بشكل يكاد يحرق رؤوس كل من يسير على قدميه حتى وإن كان متجنباً لأشعتها، توقفنا أمام مدرسة الأولاد ولم يجد زوجي مكاناً شاغراً للسيارة، الحافلات تسيطر على سور المدرسة بطوله، والأطفال يندفعون نحوها من كل جانب مما عطل حركة المرور، بعض السيارات تتوقف فجأة في محاولة من سائقيها لتفادي بعض الأطفال الذين يهرولون في وسط الطريق ليعبروا إلى الجانب الآخر دون وجود أحد معهم سوى أنفسهم..

- اذهبي أنتِ لأخذ الأطفال من الداخل بينما سأنتظركم هنا لعلني أجد مكاناً أقف فيه بالسيارة.

وافقت سريعاً لأن لم يكن هناك فرصة للرفض، المرور في حالة فوضى عارمة والجميع غاضبون يسعى كل منهم ليخرج من هذا الزحام في أسرع وقت وبأقصر طريق حتى وإن اضطر البعض منهم لمخالفة قواعد المرور المعتادة، حاولت اجتياز الصفوف لأصل إلى بوابة المدرسة من بين أطفال تحت عمر التسع سنوات يجري بعضهم خلف الآخر دون أن يراقبهم أحد، وأمهات يجلبن أطفالهن في قسوة وعنف، لا أعلم من أين أتين بها، دخلت إلى الحديقة المدرسية وبدأت أراقب جميع من حولي، لم يكن هناك أحد سوى تلك السيدة التي تنادي على الأطفال في ذعر ليلحقوا بها لركوب الحافلة، وآخرين يستمتعون باللعب حتى يأتي ذويهم لاصطحابهم إلى المنزل، لمحت أطفالي عن بعد فما كان منهم إلى أن أسرعوا إلى ناحيتي فور أن لاحظوا قدومي، شكرت الله في سري على انتهاء هذه المأساة التي تتكرر كل يوم، أمسكت يد كل منهم جيداً حتى وصلنا إلى السيارة أخيراً بعد أن كادت الشمس أن تحرقنا.

- أغلق المكيف إذا سمحت، لا أريد أن يصاب الأولاد بنزلات برد.

- لا يا أمي، لا أستطيع أن أتحمل هذه الحرارة.

- بعد قليل سنصل إلى المنزل، لا داعي لكل هذا بدلاً من أن تقضي أسبوعاً في السرير من شدة الإعياء !

استسلم الأطفال وأبوهم لكل التعليمات التي ألقيتها حتى تنتهي رحلة كل يوم بسلام، ولكن ظلت عيناي تراقب الجميع بينما ننتظر إشارة المرور الخضراء، تلك الأمهات اللواتي يذهبن بمفردهن لجلب الأطفال، أو يتحملن مسئوليتهم كاملة بمفردهن، كيف يفعلن ذلك! حمدت الله للمرة الثانية على عطيته الكبيرة حينما وهبني زوجاً لا يبخل عليّ بتقديم المساعدة والعون، ويقدر أنني بشرُ ربما لا أستطيع القيام بكل شيء بمفردي، لا أعرف كيف يمكن للحياة أن تبدو إذا واجهها الواحد منا بمفرده، أو أن يتحمل أعباء نفسه وأطفاله في آن واحد، في تلك اللحظات قطع تفكيري صوت عراك الأطفال وبكاء الصغيرة التي كانت تشكو من الجوع، بينما تمر أمام عيناي سيدة في السبعينات من عمرها تقطع الطريق للعبور إلى الجانب الآخر في خطوات ضعيفة متمهلة تكاد تسقط من شدة الإعياء، أخذت أفكر أين سيكون الأطفال حينما أكون في مثل عمرها، وبالأخص صغيرتي التي حملتها لتجلس إلى جانبي لحين الوصول إلى المنزل كي تكف عن البكاء وأشتت ذهنها عن تفكيرها بالطعام، تذكرت كلمات جدتي حينما كنا صغاراً كيف كانت تمدح البنات وتذم الأولاد، لأنهن عادةً ما تجبرهن عواطفهن على بر أهلهن، ولو أن هذه القاعدة لها استثناءات عدة وغالباً ما تنعكس الأمور في حياتنا التي لا نعرف لها شيئاً.

- لا بأس ما رأيكِ إذا أخذنا الأطفال وذهبنا لنتناول الغداء في الخارج اليوم ؟

- نعم، فليحيا أبي !

ابتسمت ووافقت نزولاً على رغبة الجميع، وفُتحت الإشارة الحمراء، توجهنا إلى مطعم من مطاعم العائلات، والأطفال تغمرهم سعادة لا أعرف كيف استحال حالهم من التعب والإرهاق إلي هذا النشاط المفاجئ ولكن لا بأس ماداموا في حالة جيدة، أشار لنا النادل بالجلوس على طاولة إلى جانب واجهة زجاجية تُطل على الطريق بينما يوجد المطعم في الطابق الثالث، كان الارتفاع مخفياً بالنسبة لطفلتي الصغيرة، بينما أثار في نفس الصبيان متعة ولذة، لاحظت وجود عائلات أخرى في الطاولات من حولنا، وتعلو ضحكات أطفالهم في الأرجاء حتى تحدث جلبة محببة في نفسي ونفوس الجميع على الأغلب، أخذت أراقب الأطفال في صمت وهم يلعبون ويبتسمون من حولنا، إنها اللحظة الأفضل في عمري كله والتي من أجلها أتحمل عناء تربيتهم ومجابهة شعور الخوف عليهم كل يوم، التفت إليّ زوجي في رفق..

- هل تذكرين كم كنتِ خائفة من أن تكوني أماَ غير ناجحة ؟!

- نعم، لازلت أتذكر تلك الأيام جيداً، وأذكر نفسي بها أنني لازلت لا أعرف كيف أنجح في ذلك حقاً

- أتمزحين؟!

- لا، بالطبع كنت سأندم كثيراً لولا أنك لم تتركني أستسلم لقرار تأجيل الإنجاب، وأن حياتي أصبح لها معنى واضحاَ منذ أن رزقنا الله بهم، لكنك لا تعرف حقاً كيف أشعر إذا أصاب أحد منهم مكروه.

جاءت طفلتنا الصغيرة وقطعت ذلك الحديث..

- أمي، أريد أن أتناول البطاطس المقلية.

- حسناً يا حلوتي كما تريدين.

لا أعرف إذا ما تنجح الأمهات دوماَ في إرضاء أطفالهن، وليس لدي يقين إذا كانت كل الزيجات تصل إلى نجاح يرضى عنه طرفيها، ولن أستطيع أن أنكر أن كل تجربة لها صعوبتها التي يجب أن يخوضها المرء حتى يصل إلى مميزاتها، الأمر يحتاج فقط أن يتيقن المرء لكل ما يحدث أمامه وحوله من إشارات وعلامات ترشده إذا ما كان على الطريق الصحيح حقاً أو متخبطاً في الطريق الخاطئ، لا تفلح التجارب دوماً ولا تكن سيئة على الأغلب أيضاً، لأننا سنجد في طياتها فرحاً مخبئاً ومشاعر ودروس ستحفر في ذاكرتنا أبد الدهر، اليوم فقط أحمد الله دائماً وأبداً على دعوات أمي ومساندتها لي التي لولاها ما رزقني الله بما أنا فيه الآن من عائلة لا أستطيع أن أتخيل حياتي من دونهم وأدعو الله دائماً أن يبارك لي في صحتي لخدمتها لعلني أجد هذا من أبنائي إذا ما أخذني الزمان إلى حيث هي الآن..


  • 5

  • نادين عبد الحميد
    ربما لا أتمكن من الكتابة بالشكل الذي أرجوه لكنني على ثقة أن الكتابة تمكنت مني .. فإنني لا أمارسها فعلاً وإنما أتنفسها هواءً هو المعين لي كي أستمر على قيد الحياة ..
   نشر في 01 نونبر 2017 .

التعليقات

North Thoughts. منذ 3 سنة
أحسست بحرّ شديد، و دخلت المدرسة و ركبت السيارة، و دخلت المطعم، و رأيت ضحكات الأطفال و سعادة الجميع
0
Abdou Abdelgawad منذ 3 سنة
قصة بها معانى وأحاسيس انسانية طيبة احييك
0
راوية وادي منذ 3 سنة
المقالة جميلة و رائقة و صادقة . نحتاج من يثير فينا الرغبة في العطاء و من ينير الدروب للأمهات و الأباء بالأمل و الحب لبناء أسر هادئة سليمه مبنية على علاقة الإحترام المتبادل و التكامل و تحمل المسؤولية.جداً أعجبتني المقال سلمت يداك.
0
Salsabil Djaou منذ 5 سنة
كم كنت سعيدة وانا اقرأ القصة الجميلة ليوميات ام ،واقول لنفسي لقد مررت من هنا،كلمات بسيطة ومعان سامية ،حب الام،الاسرة الصغيرة،يوميات الشوارع المزدحمة،بالتوفيق في مقالاتك القادمة.
1

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا