الثقافة بوصفها إيديولوجيا - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

الثقافة بوصفها إيديولوجيا

تشويهاً للواقع لصالح من؟

  نشر في 26 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 28 مارس 2019 .

نجد في كل عصر من العصور - حسب كارل ماركس - أن أفكار الطبقة الحاكمة هي نفسها الأفكار الحاكمة لسياقات الواقع الاجتماعي، أي أن الطبقة الحاكمة التي تشكل القوى المادية تشكل أيضاً القوى الفكرية بهدف الدفاع عن مكاسبها وامتيازاتها ومصالحها. بذلك تكون الأفكار الحاكمة ليست سوى تعبير مثالي عن العلاقات المادية المسيطرة التي نشرتها وسوقتها على أنها أفكار المجتمع ككل.

يأتي من ضمن ادعاءات ماركس حول الإيديولوجيا السائدة الظروف المحيطة بإنتاجها وباستهلاكها. وفيما يتعلق بالاستهلاك فإن الطبقات الخاضعة التي تفتقر للقوة المادية ستفتقر حتماً وبكل تأكيد إلى القوة الثقافية أي إنتاج هويتها الثقافية. ونتيجةً لذلك لن يكون لمثل هذه الطبقات القدرة على تأكيد ذاتها وهويتها أو تأكيد أن هذه الإيديولوجيا ما هي إلا تشويه للواقع الاجتماعي وتزييف للوعي الجمعي، الذي يخدم مصالح الطبقة المسيطرة. إضافة إلى هذا، فإن هذه الطبقات عادة ما تقبل هذا الوضع القائم وتخضع له.

وفي حقيقة الأمر، يوجد في داخل أي فضاء اجتماعي ما تراتب ثقافي معين، بحيث تنقسم الثقافة إلى قسمين أساسيين، هما: ثقافة مُهيمِنة وتشمل على المعارف القيم والعقائد الدينية والأعراف والتقاليد الاجتماعية والسياسية للفئات الأقوى في المجتمع، أما القسم الثاني فهو الثقافة المُهيمَن عليها، وهي معارف وقيم الفئات الأضعف في المجتمع. فثقافة الفئات المهيمنة هي دوماً الثقافة المُهيمِنة على المجتمع، حتى أن الفئات الأخرى تكوّن قيمها وتعيد ترتيب وعيها الجمعي، بما يتناسب مع قيم ومبادئ وتصورات الفئات الأقوى. وهذا يعني أن الثقافة المُهيمِنة لا تكتسب قوتها من ذاتها أو تناسقها المنطقي الداخلي بل من القوى الاجتماعية التي تسندها. إلا أن الحديث عن ثقافة مهيمنة وأخرى مهيمن عليها ضرب من المجاز إذ أن ما يوجد واقعياً هي جماعات اجتماعية ترتبط بينها علاقات هيمنة وتبعية.

وعلى صعيد الممارسة الواقعية والحياتية تسعى الفئات المُسيطِرة إلى تطبيع الفئات الأضعف ثقافياً واجتماعياً عن طريق تعويم أفكارها وقيمها ومبادئها وجعلها منطلقات ومقولات اجتماعية عامة حتى تتمكن من الحفاظ على مصالحها ومراكز نفوذها ومكانتها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البناء الاجتماعي. وهكذا تتبنى الفئات الأضعف في أي مجتمع قيم ومعتقدات الفئات الأقوى اجتماعياً بطريقة لا واعية في الوقت الذي تستخدم فيه تلك القيم للسيطرة عليها.

ويُفسر مفهوم القوة بناءً على ما تقدم بأنه قدرة الفرد أو الفئات الداخلة في علاقات اجتماعية مع الفئات الأخرى على فرض إرادتها الخاصة رغم ما تلقاه من مقاومة، فأصحاب القوة، هم بالنتيجة مستعدون وقادرون على تأسيس الظلم الأخلاقي ضمن مستويات تتناسب معهم وتخدم مصالحهم، وبذات الوقت تصيح مكلفة لأولئك الأقل قوة.

وفي ذات السياق تحدث عالم الاجتماع الفرنسي" بيير بورديو" في كتاباته المعاصرة عن مفهوم " رأس المال الرمزي " الذي ذهب فيه إلى أن الطبقة المهيمنة في المجتمع تحتاج إلى رأس مال ثقافي حتى تستطيع أن تنتج ما يعني لها من أفكار ومعانٍ ورموز ثقافية تمكنها من السيطرة على الطبقات الأخرى – الجماهير بالمعنى الواسع التي تستهلك مثل هذه المنتجات الثقافية. وتذهب نظرية رأس المال الثقافي - التي مهدت الطريق لظهور مفهوم رأس المال الاجتماعي – إلى أنه بإمكان الطبقات التي تقع تحت الهيمنة أن تستثمر كذلك في رأس المال الرمزي، وأن تكتسب ما يترتب عليه من رموز ومعان ودلالات ثقافية وقد يعتبرونها جزءاً من تكوينهم الثقافي.

نفهم مما تقدم  أن الثقافة هي عبارة عن إيديولوجيا بيد القوي، والإيديولوجيا تعني تحريف الواقع الاجتماعي أو تشويهه لخدمة طبقة أو فئة معينة، حيث تساعد الثقافة في إعادة إنتاج المجتمع وفق قوالب معينة وبأساليب تحجب صورتها الحقيقية عن أعين أفراد المجتمع الذي ينتمون إليه.

وينطبق التوصيف السابق بشكل تام على ما يحدث في العالم العربي من تزييف وتشويه للواقع وذلك من خلال سيطرة المؤسسات السياسية على المؤسسات الثقافية  بهدف توجيه أطرها والقائمين على صياغتها لصالح الجهات التي تريد إبقاء الوضع القائم على ما هو عليه تكريساً للاستبداد والجهل والتخلف والفقر. أليست هذه   الحقيقة ؟ 

الله من وراء القصد وهو يهدي السبيل،،،،

نحو علم اجتماع تنويري/ الدكتور حسام الدين محمود فياض


  • 1

  • د. حسام الدين فياض
    الدكتور حسام الدين فياض الأستاذ المساعد في النظرية السوسيولوجية المعاصرة ( النظرية النقدية المعاصرة ) دكتوراه دولة من جامعة عين شمس في جمهورية مصر العربية، باحث في العلوم الثقافية واللغويات واللسانيات الاجتماعية ( عل ...
   نشر في 26 مارس 2019  وآخر تعديل بتاريخ 28 مارس 2019 .

التعليقات

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا