فقاعة حياة - مقال كلاود
 إدعم  المنصة   
makalcloud
تسجيل الدخول

فقاعة حياة

  نشر في 28 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 شتنبر 2019 .


كان الجو ذلك اليوم مريبا,إنعزلت الشمس غطتها السحب,ومنعت أشعتها من حقها الشرعي في السطوع هنالك في زاوية من زوايا السماء الواسعة ,أصرت إلا أن يبرز قرصها ثم شيئا فشيئا تلاشت عن الوجود,لتحل محلها زخات مطر إسترسلت في النزول على إستحياء مبعثرة نفسها هنا وهناك ليكسر خجلها هواء بارد عبر نحونا أبى إلا أن ينغص علي فرحتي بك,حينها طوقتك بكلتا يدي كي أمنع لفحاته الفضولية من أن تلمس وجهك الملائكي ثم زدت في عداد سرعتي كي أصل بك إلى منزلنا.

تزامن يوم ولادته مع رحيل والده إلى العمل خارج المدينة,تركنا وحيدين طفلي يقرع الطبول معلنا أن وقت خروجه قد حان,وأنا أتخبط داخل موجه ألم ضنكاء لتمتد يد أخي وتنتشل كلينا بأن سارت بنا إلى المشفى أين دامت مدة ظهورك للعلن ساعتين لتكون ثمرة عملية قيصرية,ما أن أفقت وزالت آثار البنج حتى جاءتني بك الممرضة مبروك لقد إزدان فراشك بولد اختاري له إسم يليق بحسن جماله,إلتقطتك من بين ذراعيها ضممتك إلى صدري ورحت أشم رائحة إختلافك عن البقية,ثم قلت بدون سابق تفكير سأسميه وحيد,لم أكن أعلم بان لعنة الإسم ستطاردك تتلبسك وستصبح وحيدا تلازم زاوية البيت وتعدها ملاذك الأول والأخير ,وأنا أتفحص بنيتك الضعيفة جدا وفي محاولة مني إرجاح الأمر إلى فقداني للشهية الأشهر الماضية,دخل طبيبي ليصعقني بخبر وجوب نقلك إلى جناح العناية الخاصة كي يقوموا بعدة تحاليل تبين لهم سبب هزالك,لم أكترث للأمر البتة بل وأنكرته قمت بإمضاء أوراق تسريحي حملتك وهممت بالخروج مسرعة كي لا أصفع بحقيقة أنك تعاني خطبا ما,فقد كنت مثاليا بالنسبة لي وهو الأمر الذي كلفني خسارتك,توالت الأيام والسنوات طفلي يكبر عمرا ويصغر عقلا,لا يتجاوب معي حتى أنه لايميز إسمه,لايشعر بمشاعري نحوه,منكمش حول نفسه يدخل فقاعته ولا يخرج منها حتى يغلبه النعاس فأحمله إلى فراشه وقتها فقط أرتوي من تصفح ملامحه,أقف عاجزة عن مواجهة توحده وأنهار تحت ضغط عدم معرفتي إن كان يشعر بالألم أو إن كان جائعا أو أنه بحاجة إلى عناق ,أشتهي سماع كلمة ماما تخرج من ثغره الصغير كما أتمنى أن تلتقي أعيننا ولو صدفة,يدميني حاله فيما يعجز عن تكوين صداقات مع أشخاص حقيقيين ليكتفي بأصدقائه الوهميين,كنت أقضي يومي كاملا أراقبه في محاولة مني فك طلاسم مصابه هذا,نجحت في الولوج إلى عالمه وأوصدت باب العالم الآخر فأصبحت منعزلة عن بقية الناس اللذين زادوا طينة ما أكابده بلة,’’’’سيدتي طفلك مختل هاهو ذا عنوان مصحة فلتزوريها,أسكتيه وإلا أسكته بنفسي,مزعج,مقزز,أم لا مسؤولة فشلت حتى في السيطرة على سلوكه,سيدتي نحن من المخفر وقد قدمت شكوى ضدك الجيران يقولون بأنك تسيئين معاملة إبنك الذي لايتوقف عن البكاء طوال اليوم’’’’’,كانت هذه عينة من روتيني اليومي القاتل.

هنا حيث كل شيء يشبهني أعيش عزلتي في منأى عن إزعاجهم المتكرر لي ,عالمي المتميز حيث لدي الكثير من الأصدقاء هم لايخشونني كما أني لاأضطر الى ممارسة فن التعذيب على كلماتي كي اتواصل معهم,أدعوهم لزيارة قوقعتي فيلبون نحن الآن نعيش سوية في فقاعة تسعنا جميعا كما أنها تتسع لوالدتي ,البارحة وأنا ألعب في أحد جبال الحي تقدم مني أطفال يفوقونني قامة ظلو يشيرون إلى شيء لم أفهمه كما أنهم أصدروا أصواتا ازعجت طبلة اذني وتسببت في رحيل قاطني الفقاعة,’’وحيد القرن..وحيد القرن ’’فلتذهب إلى والدتك كي تسترك بقطعة ملابس’’’كان هذا أحد طقوس وحيد مع أبناء الجيران المزعجين ,هو لم يؤذي أحدا كل ماتطلبته تكوينته العصبية أن يخلصو له الصداقة أو أن يتركوه وشأنه,_اليوم قررت تتبع مصدر الضوء ,تلك الأشعة التي تتجاوزني في كل مرة أسابقها أفلت يد والدتي وجريت نحوها وحين أوشكت على إمساكها عكر صفو لقائنا شيء ضخم تسبب في سقوطي أرضا,أنا أرى وجوها كثيرة ،أشخاص كسرو الحاجز وهم يقتربون مني,فقاعتي كبرت وصارت تسع الجميع,أنا الآن أنطفئ لأتوهج في الجهة الاخرى.

وحيد...وحييييد بني حذار كلمات بالكاد كونها دماغي واسرعت حبالي الصوتية للصراخ بها ,لعلها تنقذه من فناء حتمي,لم يردني جواب غير أن صوت ارتطام صغيري بالأرض كان كفيلا بأن يشطرني إلى أجزاء كالنيزك المباغت سقط فوقي فهممت ألملم شتات أمومتي وأعلنت بعدها التمرد على كلماتي فاإلتزمت الصمت الأبدي وتبنيت الوحدة شريكا أكمل معها ماتبقى لي من حياة,يومها أعادت السماء حياكة سيناريو ولادتك لكن بفرق بسيط وهو سقوط الأمطار بقوة لمدة ثلاث ليال معلنة الحداد.

بعد وفاة صغيري أيقنت أن التوحد دليل آخر على بشاعة البشر في التعامل مع هكذا حالات .

(إلى كل أم توحدت كي تعيش داخل عالم طفلها ,إلى كل من آمن بأن في الاختلاف حياة )                         


  • 1

  • سارة
    عشرينة بذوق ستيني وقلب ثمانيني ،مزاجية تكتب قليلا وتقرا كثيرا ..
   نشر في 28 غشت 2019  وآخر تعديل بتاريخ 04 شتنبر 2019 .

التعليقات

*M*B*Dallash منذ 3 أسبوع
رائعة اخت سارة ...ما تركت مجاالا للتعليق
1
سارة
شكرا اخ ماهر على مرورك العطر
*M*B*Dallash
تحياتي ..احييك على عذوبة حرفك

لطرح إستفساراتكم و إقتراحاتكم و متابعة الجديد ... !

مقالات شيقة ننصح بقراءتها !



مقالات مرتبطة بنفس القسم

















عدم إظهارها مجدداً

منصة مقال كلاود هي المكان الأفضل لكتابة مقالات في مختلف المجالات بطريقة جديدة كليا و بالمجان.

 الإحصائيات

تخول منصة مقال كلاود للكاتب الحصول على جميع الإحصائيات المتعلقة بمقاله بالإضافة إلى مصادر الزيارات .

 الكتاب

تخول لك المنصة تنقيح أفكارك و تطويرأسلوبك من خلال مناقشة كتاباتك مع أفضل الكُتاب و تقييم مقالك.

 بيئة العمل

يمكنك كتابة مقالك من مختلف الأجهزة سواء المحمولة أو المكتبية من خلال محرر المنصة

   

مسجل

إذا كنت مسجل يمكنك الدخول من هنا

غير مسجل

يمكنك البدء بكتابة مقالك الأول

لتبق مطلعا على الجديد تابعنا